الثلاثاء، 4 سبتمبر 2018

ذُهان.. (قصة قصيرة)

كنتُ أمشي بممر مستشفى فارغ، الممر طويـــل ينتهي بباب مُغلق.. شبابيك الممر كانت بيضاء.. كيف أشرح؟ يعني زُجاج الشباك مش أبيض، لأ عادي بس.. اللي ورا الزُجاج يبدو كالثلج والضباب!.
كيف عرفت إنني بمستشفى وكيف دخلت وليش؟ مش عارف!
وقّفت فجأة بدون سبب، عن يميني شُباك غرفة.. عمليات او عناية مُشددة، كنت واقفا انظر مع الشباك.. أرى شخص نايم على السرير داخل الغرفة، وحولهُ طبيب وأربعة أشخاص.. لمّا حدّقت النظر جيداً، رأيتني أنا الشخص النائم على السرير! مع إني واقف عالشباك!
الأشخاص الذين يقفون حول ذلك الشخص، يبدو عليهم القَلق والترقب.. واضح هذا الأمر على وجوههم وحركاتهم.. لم أعرف أيَّ واحد منهم، وهم لم ينتبهوا إليّ عندما "طربقت" على الشُباك، طربقتُ بكلِّ طاقتي وعصبيّتي التي إنبجست مني بشكل مُفاجئ، بعد ما كنت هادئ ورايق! طربقتُ لعلّهم ينتبهون لوجودي!
بعد ما فقدت الأمل، بأنهم سينتبهون لي، تحركت وصرت أبحث عن باب تلك الغرفة.. اللعينة!
وجدت الباب، وقد كان مُقفلاً.. طرقت عليه بلُطف.. طق.. طق..!
إختفى كلّ شيء، أقصد عصبيّتي وحَنقي المسعور، وهدفي في الدخول او لفت انتباههم.. عُدت للسير في ذلك الممر ووصلت للباب المُغلق في آخر الممر.. فتحته، ووجدتني خارج.. المُستشفى! الأمر بهذه السهولة!!
بدأت أبحث عن دلائل/علامات، تدلُّ على إن المكان الذي خرجتُ منه للتو "مُستشفى"، مثلا؛ لافتةٌ، مُمرضين، أطباء، مُراجعين وأُناس يسيرون بإزدحام.. لم أعثر على شيء، فقط فراغ، وهدوء غريب ومُستفز..! رأسي كان فارغٌ/مُمتلئ!
الفراغ كان بمُقدمة الرأس، والامتلاء كان بمُحاذاة الأذنين..!! وكنت أحس كذلك بإنكماش يبدأ من أسفل ذقني نزولاً حتى ساقيّ!!
-أسمع.. هيه.. نسيت شو؟
-شوو؟
-إنت اللي..  أنا وين؟ أقصد هذا المبنى مستشفى؟ 
ضَحك كأنني تحدثت إليه بنُكتة! وتصاغرت عيناه، وأبتسم فمه من جهة. اليمين.. وحرّك فكيّه، ليتحدث.. تحدّث كثيرا.. لم أفهم كلمةً واحدة.. ولا كلمة! الّا:"آآآه مُستشفى، شكلك من المرضى.. هاه.. الله يشفيك ويعافينا".

الاثنين، 3 سبتمبر 2018

عاصفةٌ هادئة..! (قصة قصيرة)

هيَ أعصابها تِلفن، ووجهها ذَبل، وهي تفكر بالكيفية؟
"استناه يُبادر.. يخطو الخطوة الأولى.. يحكي الكلمة الأولى.. أنا الطرف المُتلقي/المُستهدف اللي ما يزبط يُلقي او يَستهدف! وهو عبارة عن "حيط".. ليش مطنشني هيك؟"، هكذا حدّثت نفسها صاحبتنا.. وجاءها صوتٌ مألوف:"لو سمحتي ؟ إنتي مسكّرة الطريق.." "آآهه آسفة.. مش منتبهة"، أصابها الوَهن، وتحولت حرارة جسدها لبرودة.. لصقيع. 
****
قالت:"إنت حيط!!"
سأل الدكتور مُستفهماً:"شو حكيتي؟ ما سمعتك كويس ؟ خلونااا نسمع رأي زميلتكم "رغد" بموضوع العقد الإجتماعي.. إتفضلي!"
حكّت رأسها وهي تتلفت بإتجاه الطلبة الذي صوّبوا (جميعهم) أنظارهم إليها:"دكتور.. أنا.. لا.. قـ..صـ.. قصدي، لو سمحت.. ممكن.. مش.. خلص.. دكتو..ر ضرروووري، ممكن أطلع ضررووري.."، وطلعت بدون ما تستنى جواب الدكتور.. وضعها كان "مُخربط" عالآخر..
وحوارها مع الدكتور أزّم الوضع أشدُّ مما كان عليه.. 
خرجت دون أن تعرف، إلى أين تذهب وماذا عليها أن تفعل؟، وجدته جالساً، على مقعد تحت شجرة قد جفّت منذُ زمن، حدّثت نفسها:"شجرة قاعدة تحت شجرة.. سُبحان الله"، لم ينتبه لوجودها إطلاقاً.. وهي بالطبع لم تقم بأيّ حركة للفت انتباه.. الشجرة!.

بعد أيام، كانت ما زالت تُعاني من.. الحُمّى والصقيع وعدم التركيز.. عبارةً عن "إضطراب" يَهدأ حيناً ويخمد كأنه لم يكن، ومن ثم يعود إليها بشكل مُفاجئ.. عنيف! لا تعرف السبب!! حتى مُحاولاتها للفتِ انتباه الشجرة؟ لم تكن سوى.. شيء لم تُفكر به كثيراً ولم يستحوذ على اهتمامها اصلاً؟ 
قوةٌ وطاقة تدفعها، لفعل، لأمر، وعندما يستعصي الفعل ويبدو الأمر مُستحيلا.. تزدادُ مُحاولاتها واندفاعاتها.. يَعقبُ ذلك خمودٌ شديد، وحزنٌ ينبجسُ من أعماقها.. يُقيّدها عن أقلّ جهد.. وتندثرُ تلك الإندفاعات والافكار وكل شيء تماماً.. لتجد نفسها في فراغ صارخٌ فيها!!
هي فتاةٌ عشرينية، عقلها يضجّ بأفكار ورؤى وانتصارات تترقبها...
ينتابها فرحٌ يطغى شيئا فشيئا، ودائما كنتيجةٍ حتميةٍ لذلك، تجدُ نفسها وقد غرقت تماماً في لُجة الحزن والكئابة المَقيتة!!
ذات يوم إستيقظت، والفرح والسعادة الغامرة تحتلها تماماً... قبل أن تنام ليلتها الفائتة، كانت ترزح تحت وطأة حُزن شديد وتفكير مُضطرب، وساهم في زيادة تلك المشاعر تأخرها في السهر، وعندما دخلت سريرها وهي مُتعبة.. مهدودة الحيل.. طاقةٌ من أعماقها.. ايقظت خلايا رأسها فطارَ النوم بعيداً!
غالبا تلك "الطاقة"، تأتي مع أفكار لا تستطيع كبح جماحها.. فكرةً تتلو الفكرة.. لا تنتهي الأولى لتبدأ الثانية.. وقامت من الفراش.. وكانت قد نسيّت منذ زمن "أمر الشجرة".. 
لكنها في هذا الصباح، خرجت من بيتها، كأنها ترتفعُ عن الأرض.. كأنها محمولةٌ فوق السحاب.. رأسها هادئ.. باتت الآن تُدرك بأن "الخمود" آتٍ بعد هذا الإحساس الجميل، ليرميها مُجدداً في وهدةِ اليأس والكئآبة والإحباط! ولكن ما العمل ؟
دهستها سيارة أثناء عبورها للطريق، وقبل العبور راودتها فكرة "الموت دهساً"، رأت في رأسها، أحداً ما يرتطمُ بسيارة.. تُشاهدها من خلال عينيها!
تذكرت بأنها ما زالت واقفة! يجب عليها أن تعبر للرصيف الآخر! لا وجود لمعبر أو جسر او نفق للمُشاة؟ العبور بحد ذاته مُغامرة.. مَشت كأن قوةً تدفعها للأمام، كأن عقلها فقد سيطرته على حركة أطرافها.. صوتُ إنفجار سَمعت.. ارتطام شيءٍ صُلبٍ بها.. من ثم "إنقذافها" وسائلٌ ساخن يسيلُ على وجهها، وألمٌ من شدته لم تقدر على.. الصراخ، الكلام، النظر، السمع، وصفيرٌ يطنُّ بإذنها اليسرى، وظلامٌ دامس.. يتخلله أصواتٌ مُبهمةٌ.. مُفككة.

الشيء المُهم! (قصة قصيرة)

حدّث نفسه:"هي.. اي والله هي!" 
ونادى:"إنتي.. أنا.. كنت رح أحكيلك شغله مُهمة بس... نسيت! لا تفكريني أخفف دمّ.. صدقيني كنت ودي أحكي.. بس نسيت" ما عبّرته او لعلّها لم تسمعه..
وراحَ يُحدّث نفسهُ:"نسيييت.. صاير معي زهايمر!! يمكن إرتبكت، خَلص المرة الجاية رح احكيلها كل شي.. أنا ترددت.. خفت آه أنا جبان خويف.. واتهمت الزهايمر، عشان ما أعترف بترددي وخوفي.. طيب بلكي ما سمعت ؟ او سمعت وما تقبلّت كلامي(طنشت.. كسحتني.. ما اهتمت لي)، طيب وبعديين؟"
واستأنف حديثه لنفسة مُجدداً:"طيب.. لو فعلاً إتقبلت كلامي.. هل أنا رح أكون قدّ هالكلام؟ قدّ العلاقة؟ ليش لازم أعلّقها بي.. شو يلي جذبني إلها، شكلها، طريقة كلامها، لون بشرتها وجمالها.. ولا تفكيرها.. خلّص أنا لازم أكلّمها بأقرب فرصة..".
ومرّت الأيام والشهور، وخلال تلك الشهور كانَ صاحبنا(كلّ يوم)، يفوت حساباتها.. على الفيسبوك ليقرأ بوستاتها وردودها على التعليقات، حتى الـ"About" مع أنه حافظ معلوماتها الشخصية جيداً.. وعندما يدخل لحسابها "الانستجرامي" يصطدمُ بالفراغ(كون حسابها خاص!).. لم يُحدثها يوماً، وكان أول وآخر لقاء بينهما ذلك الذي ذكرته قبل قليل!.
كان يُراقبها.. يتأملها.. دون أن يجرؤ على الاقتراب منها.. وعندما تجرأ لأول وآخر مرة، ما كان يعرف ما هو الشيء "المُهم" الذي يريدها أن تسمعه منه؟ تحوّل لأبله.. لصنم.. وضاقت به الأرض بما رحبت، وهي تقف أمامه مبهوتة.. مُرتبكة.. مُحمرطة/مُتعرقة الوجه!.
هو كان "يتوّهم" إنها منتبهةٌ لهُ، بأنها تُدرك وجود ذاك العاشق المُتيّم! فكان يتصنع ويبتكر أشكال ومظاهر وحركات يعتقد بأنها تروق لفتاة أحلامه/اوهامه! (بس الظاهر كاينه ما هي داريه عنّه!).
بعد ذلك اللقاء/الهجوم السريع بينهما، هي تصوّرت بأنها قابلت للتو مُتحرش او اهبل او مُتطفل.. كُلما تذكرت ذلك الموقف تبتسم وتتسائل وما تعرف شو هو الشي "المُهم" الذي أراد أن يقوله ذلك الشخص!
*****
كالعادة، صاحبنا يفتح الفيس بوك على صفحتها:"قبل ساعة.. تمّت خطبتها"، ما صدّق طفّا التلفون، ورجع شغله.. تردد من الدخول مُجددا على الفيس.. قَرر اخيراً.. لم يتغيّر شيء! ردد في نفسه "يُمكن أحلم او اتخيّل".

موظف بسيط (قصة قصيرة)

صاحبنا "ت"، موظف بسيط في دائرةٍ حكومية، عُمره 29 عاماً وحالته الإجتماعية أعزب.. وجاهز -تقريباً- للزواج.. جاهز منذُ سنتين، وهو دائماً يشعر عندما يُفكر في الزواج، بأنه كحُلم صعبٌ عليه تحقيقه لكنه ليسَ مُستحيل!.
يعمل في هذه "الدائرة"، منذُ خمسةِ سنوات، ويتذكر بشكلٍ جيّد أيامهُ الأولى هُنا، ويشعر أيضا بأنها -تلك الأيام الأولى- بعيدةً ومُستحيلة، كأن عشرون عاماً مضت عنها..
غالباً يُعلن.. لنفسهِ بأنهُ خَلص قَرف وطفح الكيل.. من ماذا بالضبط ولماذا ؟ لا يعلم.. بل يشعر دائماً بأنه "فسقان"، لأنه -وبحسب إعتقادة- يحيا حياةً يحسدهُ عليها الكثير، فهو يعمل لثمان ساعات يوميا (الجمعة والسبت عطلة).. عملهُ ليس عملاً بل فراغاً يُسمى عمل.. ومع كل هذه الإمتيازات(مع إنها مش امتيازات، بس هو يقنع نفسه دائما بأنها امتيازات)، مع كل ذلك، لا يشعر صاحبنا بالرِضى.. وكلّ يوم -يُجاهد- لكي يُنهيه كما اليوم السابق وهكذا تمضي أيامه.. أيام شبابه العزيزة.
مُؤخراً بدأ ينتابهُ ضيقٌ شديد وإضطراب.. وصار عندما يُجالس اصدقائه/معارفة لا يتحدث الّا عن عمله و"إمتيازاته"، يُخبرهم عن تفاصيل "جميلة" تُثيرهم وتوقظُ في نفوسهم "غِبطة" هذا المحظوظ.. بعد ذلك يتأكد صاحبنا بأنهم يحسدونه ويغارون منه.. يَنتشي لهذا الافتراض او الدليل، ويكرههم لذلك! هو يكره حسدهم لهُ.
وعندما يعلم يقيناً او فرضاً بأن أحدهم او أيّ شخص لا يعرفه حتى.. يستمتع ويُنجز ويُبدع، سواء على الصعيد العملي او الشخصي، يستيقظ في نفسه كُرهٍ مسعور ويُصيبهُ إضطراب مؤقت(قد يستمر لساعات)، ونتيجةً لهذا الاضطراب المؤقت، يستغلّ ايّ فرصة ليُثبت أنه أفضل حال وأكثر إمتيازاً وإنجازاً منهم.. تستمرُ تلك المُحاولات حتى وإن زال ذاك الاضطراب.. مع بقاء حقيقة أنه لا يستمتع، بل يشعر بضيق من عمله وحتى روتين حياته ومُحاولاته والمُنافسة الشديدة لإثبات عكس ذلك(مع أنه ما فيه أحد داري عنه بطبيعة الحال!).
صاحبنا يُصاب بنوبة إكتئاب، أحيانا تستولي عليه لشهور. ذات مساء كان يجلس مع مجموعة أشخاص يعرفهم، وفي تلك الفترة كان صاحبنا يرزح تحت وطأة الاكتئاب اللعين، وفي أثناء الحديث الدائر بين الجالسين، حاصرت بل إستولت على صاحبنا فكرة أنهم يسخرون ويستهزئون به..! لا يعلم إلا الله كيف؟
مع مرور الوقت تأكدّ وأيقن من ذلك، وعندما أُتيحت له فرصة الحديث لأول مرة، زَعل وغضب من أمر ما، وغادر ذلك المجلس مُستعينا بغضبته تلك.. بعد وصوله للبيت، وهدوء أعصابه بعض الشيء، أحسَّ برأسهِ فارغاً الّا من أفكار مبتورةٍ ومُهتاجة. وكان يشعر في أعماقه بأنه إنتصر على مَن يُناصبونه العداء والحسد!، في تلك الأيام كان صاحبنا يُعاني من الانهاك الشديد بلا سبب واضح!، وكان يُعاني أيضا من الأرق والنوم الضَحل المليء بالأحلام المُزعجة بسبب الانهاك حسب اعتقاده.
أحياناً "تنبجسُ" منهُ طاقةً ونشاط مع عدم القدرة على القيام بأيِّ نشاط، وكان يعرف في بعض الأحيان بأنه "مريض"، ما هو مرضه ؟ وما سببهُ وكيف علاجه ؟ لا يعرف ولا يُريد أن يعرف!! او حتى لا نظلمه هو غير مُتأكد تماماً من حالته! فأحيانا كثيرة يتهم نفسه بالفسقنة(عدم معرفة قيمة ما يملك).
في أثناء عمله، ينتابهُ الغضب والتوتر يبلغ مداه الأقصى ومن ثمّ يفتر ويُصيبه خمولٌ وكسل.. ومع ساعات العمل البطيئة، كانت تهجم عليه أفكار لا يدري لماذا يفكرُ بها! ففي شروده المتواصل يتخيّل بأنه في سجن ومحكومٌ عليه بالاعمال الشاقة المُؤبدة.. او بأنه قد يموت في هذا اليوم تحديدا، وهو عائدٌ إلى بيته بحادثٍ يُخفي ويطمس ملامحه.. يُحدّث نفسه "الليله ما رح أنام بدري.. بس أنا تعبان من هسّا.. بس أوصل الدار دغري أنام واسهر بالليل.. طيب ليش اسهر؟ وبلكي ما قدرت أنام بس أرجع؟ رح اسهر بكل الأحوال؟ اوووووف ليش أفكر هيك اناا؟"
ودون أن يشعر يعود ويُفكر في مثل تلك الأمور، دائما يُحاول أن يُشغل نفسه/عقلة بأي شيء.. المُهم الّا يجلس بلا أن يقوم بشيء.. لكنه لا يستطيعُ ذلك، حاولَ كثيراً.. لم ينجح في ايّ محاولة.. بعد لحظات من جلوسه يقوم كممسوس بكهرباء.. في ذلك اليوم أثناء قيادته لسيارته عائداً لبيته، فكّر جدياً بأن يقوم بحادث، لعلّه.. لا أحد يعلم! أنكرَ تفكيرهُ، حاولَ السيطرة على حركته الجسدية، انتابه ارتباكٌ فظيع وقلقٌ رهيب.. لم يقدر على استجماع فكرةً واحدة، أحسَّ بفراغ يملأ ذهنه، فراغٌ مؤلم، كأن اسياخاً هوائية حادّه حارّة، ترتطمُ وتخترقَ رأسه... زاغَ ذهنه، أمسك برأسه، وصرخ صرخةً مُدوية.. كان يسيرُ بإتجاه تجمع سيارات تتوقف أمام إشارة لم تزل حمراء، يسيرُ بسرعةٍ غير معقولة، إنتبه.. أمسكَّ المُقود بكلتا يديه.. وإنحرف جهة اليمين بالسيارة ليتفادى الاصطدام بالسيارات الواقفةُ أمامه، إنحرف نحو وادٍ حجريّ.. يعرف هذا الوادي جيدا، لطالما رآهُ، وتذكر فجأةً بأنه أمس وهو عائدٌ من عمله، بمثل هذا الوقت، فكّر لو أنه بسرعته التي كان يسيرُ بها.. لو أنه إنحرفَ بسيارته وقذف بها في الوادي.. سيكون المشهد مُدهشاً حقاً.. هكذا فكّر في الأمس!

الأحد، 2 سبتمبر 2018

دراما واقعية (قصة طويلة بعض الشيء)

جاوا اُدخلت "مُستشفى الأمراض العقلية" قبل أيام، بسبب إنها تُعاني من عدة مشاكل نفسية/عقلية.. كالاكتئاب الحاد ونوبات من الهوس الشديد وفي بعض الاحيان تُصاب بهستيريا تُفقدها عقلها تماماً.. المُهم تبيّن أنها تُعاني من تلك المشاكل بالطبع بعد عرضها على أطباء وإجراء ما يلزم من فحوصات وتحاليل.. درجة مرضها "خطيرةٌ جداً"، وقد تم إدخالها للمُستشفى الذي يُشبه قلعة او ثَكنة عسكرية، ولا أحد -الّا الله- يستطيع معرفة ما الذي يجري في داخل ذلك المكان.. فالمشهد الخارجي يبدو كئيباً وهادئ.. ومُوحش.. 
منذ عامين تقريبا بدأت جاوا عملها كموظفة مُحاسبة في إحدى الشركات الخاصة.. تم قبولها في تلك الوظيفة، بعد عاميّن من البحث والمُقابلات التي تنتهي دائما بلا شيء سوى الأمل الذي يتضاءل بعد فترة إلى أن يندثر.. ومع كلّ مُقابلة عمل جديدة يشعُّ ذلك الأمل ولا يلبث أن يغيب مُجدداً.. إلى أن تمّ قبولها في شركة م.ب للصناعات التحويلية.. 
كانت قد إستيقظت للتو، ضَجرةً(قرفانه من كل شي)، وكانت الساعة لم تتجاوز بعد الثامنة صباحاً، وكانت قد رأت في منامها حُلماً او كابوس لا يعلم إلا الله ما تصنيفه.. المُهم، كانت ترى نفسها، ولا تعرف نفسها.. وتعرف بأنها هي التي تراها ! وفجأةً رأت ضباباً كثيفاً.. من دون أن تعرف شكل المنطقة التي هي فيها.. فقط ضباب يتكاثف، ورأت نفسها كأنها تشاهد شخصا آخر، وكانت تزحف وتبكي.. لا تستطيع أن تقوم، كأنها رُبطت إلى الأرض.  واستيقظت.
إستيقظت كأنها ما زالت تُحاول القيام، ولا تستطيع ذلك..!، بعد لحظاتٍ من إستيقاظها كانت لا تعي شيئا، فقط ذهول وحُمّى شديدة وخوف، كأنها للتو توقفت عن ركض سريع او حمل أثقال.. وبحركة لا إرادية قفزت عن فراشها.. وإلتوت قدمها، وسقطت أرضا تتلوى وتصرخ! ورنّ هاتفها صارخاً معها.
للحظات لم تنتبه لرنين هاتفها المُزعج، وفجأة وكأنها كانت غائبةً عن الوعي إنتبهت للهاتف فوق سريرها.. و وَثبت فوق السرير.. وزحفت فوقه.. نحو الهاتف في الجهة الأخرى! تذكرت لا تدري لماذا، بأن زحفها الآن يُشبه زحفها في الحُلم/الكابوس قبلَ لحظات!
مدّت يدها، وتلّقفت الهاتف..
:آلوو.. صباح الخير.. حضرتك.. جاوا عبد الرحمن..؟
:آآه.. ماا.. شو ؟؟ (ولعنت تسرعها بالردّ)
:إنتي جاوا.. عبد الرحمن ؟
:ايووه.. معك جاوا.. جاوا عبد الرحمن (ولأول مرةٍ تشعر بأن إسمها غريب.. مُنفّر)
:إحنا شركة م.ن.. إلي عملنا معك مقابلة عمل لوظيفة محاسبة، بتاريخ 5/11.. مبرووك جاوا تمت الموافقة عليكِ.. ومن بكرا شرفينا لنوقع معك العقد وتبلشي بشغلك..
إنخرسَّ لسانها (طبيعي لأنها كانت للتو صاحية من.. ما هو أكثر من مُجرد نوم طبيعي ! ولم تكن تتوقع قبولها.. هيك بهذي السهولة، وقد أصبحت مُؤخراً لا تأمل من المُقابلات بشيء، تذهب كواجب أخلاقي فقط)!
:....يعطيك.. العافـ....يـ..ــه.. شُـكـ....راً.

بقيّت لدقائق ذاهلةً، صافنةً، لكنها بعد ذلك أتمتّ واجباتها البيتية على أكمل وجه، بعد أن أخبرت عائلتها بالنبأ الجميل.. السعيد.. بعد ذلك بدأ يَغزوها شعورٌ غريب.. بالفرح و... القَلق الرهيب!

في اليوم التالي ذهبت لشركة م.ن، وقد كان ينهشها خوفٌ وارتباك لا يعلم به الّا الله.. إضافةً لذلك كانت مُنهكةً تماما، لأنها لم تنم سوى سويّعاتٍ قلائل، وهالسويعات كانت شِبه نوم لا نومٌ حقيقيّ! واستغربت بعد استيقاظها بأنها لم ترى منامات.. كوابيس.. بعكس ما قد اعتادت عليه منذ شهور إن لم يكن عام.

اليوم الأول في العمل..
عرفت في اليوم السابق (يوم توقيع العقد)، مُدير الشركة المُهندس شَريف، وبعض الموظفين التي لم تحفظ ذاكرتها أسمائهم.. إلّا "إحسان" وهو شابٌ عندما رأته إعتقدت بأنه لم يزل صغير.. بأنه لم يتجاوز بعد سن الثلاثين.. بالرغم من شكله العام الذي يُوحي للناظر إليه بأنه تجاوز الخمسين من العُمر..!
وصلت جاوا مُبكراً، قبل أغلبية الموظفين إن لم يكن جميعهم، استقبلها موظف الخدمات بكثيرٍ من الحفاوة والترحيب كأنها تزوره في بيته..! هو رجلٌ مُدوّر، وجهه مُتغضن وعيناه زائغتان.. ذاهلتان.. لم تحزر عمره، لكنها تأكدت -لا يعلم إلا الله كيف- بأنه يتصنّع كل شيء يقوم به..!!
وصلت للقسم حيثُ مكتبها.. معها في القسم مكتبان آخران.. جلّست وتفحصّت بعض الأوراق والمُستندات.. في الليله الماضية أذهب النوم من عينيها (عَجقها).. سؤالٌ: ما هو عملها على وجه الدقة ؟ 
وزجرت نفسها.. بأن توقفي عن طرح مثل تلك الاسئلة الغبيّة.. والواجب عليها أن لا تسئل حتى لا تبدو غبيّةً، الأمور تتسهل مع مرور الوقت.. ككل شيء.
وَصل الموظفون جميعهم في وقتٍ واحد.. بالرغم من أن موعد العمل بدأ.. قبل نصف الساعة !
غداً.. من غداً ستأتي معهم ولن تأتي باكراً ابداً.
وَصل إحسان.. زميلها في القسم.. حيّاها:"صباح الخير.." دون أن ينظر إلى جهتها.. كان عابساً مُقطباً حاحبيّة.. والموظف الآخر لا تعرف أسمه.. دَخل كأنه بلا أقدام يسير عليها، لم يتكلم بشيء ولا حتى أنتبه للتي تجلس معهم في نفس المكتب.. أحسّت صاحبتنا بالإهانة، وحدّثت نفسها:" يمثّل.. واللهِ يمثل.. أنه مش منتبه إلي "
بدأت بالعمل، دون أن تعرف بالتحديد ما العمل الذي يجب عليها القيام به ؟
لكنها إنهمكت كزملائها بالـ... بصراحة، هي تُمثل بأنها مُنهمكة وتسائلت فيما بينها "هل زميليّها كذلك؟"

د.عبد الرحيم الجهوريّ، الحاصل على شهادة الدكتورة في الفلسفة من جامعة..(الله وحده يعلم)، ورئيس قسم المُحاسبة، رأته عَرَضاً بالأمس، وجهه يَنمُّ عن كبرياء مُصطنعة وحقارة نتنه.. هكذا استنتجت عندما رأته في الأمس، أما الآن فهي ترى في وجهه سُخريةً وبلاهةً! ،تَدحرج الجهوريّ في القسم، فقام الزملاء كممسوسين وقامت معهم.. حيّاهم ببرود وقرف.. وبدأ خطبتهُ العصماء.. تتذكرها الى الآن! بدأ كلامه مُتلعثماً، مُمسكاً بطنه(عند قمة الكرش)، (قبل أيام في جلسة تحليل نفسي وفي اللحظات الأولى تذكرت لا تدري لماذا تلك الخُطبة.. ولم تُخبر طبيبها بأنها ظلّت مركزة في طريقة وضع يده على بطنه)، أتمَّ خُطبته.  وانتبهت جاوا بسبب الصمت، رأت وجه الرئيس أحمر.. مُتعرق.. كأنه فرغ للتو من مُشاجرةٍ (صوتية).. وختم كلامه بـ "تمام".. رددوا(الّا جاوا): "تمام".. بعد خروج الرئيس، ودقائق الجلوس بذهول.. سئلت صاحبتنا دون أن تَعي تماما ما تقول:"مين هاد ؟ قصدي.. شو حكى ؟؟" نظر الإثنين إليها، وارتسمت على وجوههم علائمُ التساؤل، والذهول، وبعدها السُخرية.. أنقذ الموقف جَلبة الموظفين.. حان وقت الاستراحة!.

جُهد عصبيّ (ما رح أحدد أيام.. هي أحداث تُلّخص عاميّن تقريباً، وترتبط إرتباط وثيق باليوم الأول).

تَجلس في القسم وراء المكتب.. بعد أن تعرضت لموقف.. هو التالي: كانت تمشي بإتجاه القسم، وكان إحسان واقفاً على الباب يتحدث مع ربيع (اسم زميلها الآخر).. إحسان يسدُّ الباب تماما، ووصلت جاوا.. فيما بعد تذكرت بأن صوت خطواتها تُسمع من آخر الممر.. لكن إحسان لم ينتبه للتي تقف وراءه.. لم تطلب منه الابتعاد لا تعلم لماذا، كأن لسانها إنعقد، وإحمرَّ وجهها.. وبعد لحظات (كانت كساعات بالنسبة لها!)، إنتبه إحسان.. فأنتفض مُبتعداً عن طريقها، مُفسحاً لها المجال لتدخل.. لكنه لم يعتذر.
دَخلت، وهي تشعر بالخزيّ و.. بأن نظراتهما حتماً تخترقانها، وتسخر منها.. والاكيد بأنهما يتبادلان الابتسام.. الضحك.. الاستهزاء، إعتقدت ذلك كأنها رأته وعاينته!
إستبدّ بها غضبٌ وحَنق! لكن بصمت.. هي الآن تُفكر حتى لتشعر بأن دماغها سيسكت كقلب مريض، مُنهك تسددت شرايينه.. حدثّت نفسها:"ليش ما.. تنحنحت.. عطست.. ليش ضليّت متسمّرة.. متحنطة  لا.. متأكدة كان شايفني.. وعارف إني وراه واقفة.. معقول ما سمع صوت مشيي.. إلي بالشارع سمعوه.. هو يتقصّد أنه يهيني، أكيد.. وهاد التاني اللي حتى سلام ما يسلّم! كأني كرسي او قلم مَنسي على طاولة ؟ يا ربيي ليش هيك ؟ شو يعني.. طزّ، إنسي يا جاوا طنشي"، هكذا حدّثت نفسها، بصوتٍ هامس مسموع، مكظومٌ من الغيظ.. بعد أسابيع قليلة من ذلك الموقف، تبدّل موقفُ ربيع، تبدلاً غير معقول.. بعد أن كان كأنه لا يراها، ولا يُلقي لها بالاً.. أصبح يُعاملها.. كأهمّ موظف.. بل أصبح يتملّقها ويُجاملها بعبارات مُبتذلة.. يُحييها بحرارةٍ.. يتنبّه لأقل كلام تتحدث به.. وكأنه إكتشف وجودها للتو!
هي بادلته الإحترام و... المُجاملة، بل وثقت بهِ كأنها تعرفه منذ سنوات!
وقد كانت بعد موقف الباب المُحرج، تُراقب إحسان وتشعر كُلما نظرت إليه بكُرهٍ و.. بشعور آخر مُناقضٍ للكُره تماماً !
هو لا يَزيد كُلما سنحت فرصةً لذلك على.. "إهانتها.. إحراجها.." وهي مُوقنةٌ من أنه يتعمدّ ذلك! إهانات بلا أي دليل على صحتها وواقعيتها! ومع ذلك كُلما مرّ الوقت كُلما زاد اهتمامها (لا اراديا) بإحسان، مُلاحظة: إحسان هو من النوع الذي ينجذب لأغلب النساء.. من أول لقاء. وهو مع ذلك لا يدري لماذا يُعامل صاحبتنا جاوا هكذا.. يستفزها.. ويستلذّ بإهانتها (دون أن يُهينها مُباشرةً) مثلما ذكرت؟!
هو لا يقوم بتلك الأفعال، الّا في القسم وبحضور ربيع.. أما في الخارج، فلا يُلقي لها بالا كأنها غائبة..!
ومع ذلك فهي تستحوذ على تفكيرة أكثر فأكثر مع مرور الوقت! هو كأغلب (الرجال والنساء)، يعتبر نفسه دائما ذا حُسنٍ وجمالٍ باهر، كأيّ مُمثلٍ هوليوودي، ويضع نفسه في هالةٍ عظيمة، كقائد.. مُتحدث.. لا يتلعثم بالحديث ويعرف كيف ينتقي كلماته..الخ، وصاحبتنا كلّ يوم يزداد فيها "خليط المشاعر" تجاه زميلها..مُلاحظة: حاس حالي بمُسلسل خليجي !


 بعد كم شهر بلشت مرحلةٌ جديدة.. أسميتها "مرحلة الاستواء".. في لحظةٍ تبدّل كل شيء، كعادة الزمن وتبدلاته الغير مُتوقعة، كأن ذلك التبدّل الخارق، كانَ رَهناً بخطوة..!
في أحد الأيام، بعد إنقضاء ساعات الدوام الرسمية.. وَجدَ ربيع زميلتهُ جاوا (التي أصبح يشعر تجاهها بمشاعر يجهل ماهيّتها.. تُشبه الشَفقة والرأفة)، كانت جاوا تستند برأسها على راحتيها.. جالسةً خلف مكتبها، شاردةً عن كل شيء.. طَرق ربيعٌ الباب ودَخل، إنتبهت.. أخبرها بأن الدوام خلّص وسألها: "صاير معك شي؟"
أجابت بعد صمت ثقيل:"..اسمع.. ربيع أنا.. رح أترك الشغل!"
"ليشش..؟" (وبَدت على وجهه أمارات الهَلع لا يعلم إلا الله لماذا)
"رح أترك.. لأني.. ربيع أنت أول شخص احكيله.. توعدني ما تحكي لحدا!؟"
"إحكي... شو مالك؟"
"...إمبارح رحت عدكتور.. لأني كنت.. مش عارفه.. بس غيّبت، والدكتور حكى إنو هاي علامات فَشل بالكبد.. بعد ما فحصني.. وأخذ عيّنة دم للتحاليل اللي رح تطلع بعد أسبوع.." إنهالت من عيّنيها دموع.. بعد أن كانت تتكلم بفرح وسرور، يبدو للناظر إلى وجهها بأنه مُصطنع، وتبذل جُهداً شديداً لإظهاره.. صاحبنا ذُعر.. كأنها أخبرته بأنها مُصابة فعلاً بالمرض!..
أصابته قشعريرة، سَرت في جسده، وعندما رجع إلى بيته.. كان قد استبدت بهِ حالةً من.. لا أعرف كيف اصفها ؟ هي حالةً من كلّ المشاعر المُتناقضة!
هو لا ينسى الأيام القليلة والليالي التي تلّت ذلك الخبر. كان لا يعرف سبب كلّ ما ألمَّ بهِ مِن.. 
كانت تلك "المُصارحة"، بعد أسبوع واحد من توثّق علاقتهما العمليّة (اكتشاف وجودها)، وكان لذلك الأمر عظيم السبب في تبدّل تعاملهُ معها..!! أصبح كأنه يعرفها (كأخته)، يُحاول جاهدا أن لا يُكدر صفو مزاجها..! إلتزم ربيعٌ بالوعد ولم يُفشِ السر. 
ومَضت الأيام دون أن يجرؤ على سؤالها او الاستفسار عن نتائج التحاليل..! لا يدري لماذا كان يتعامل مع الأمر وكأنها اخبرته بأنها فعلاً أُصيبت بفشل الكبد وبانها ستموت في يوم كذا.. وهذا الإعتقاد هو سبب حالته تلك التي استولت عليه لأيام وليالي..!
هو الآن يتذكر (جيداً)، وقائع تَلت ذلك الموقف.. ففي يوم دخل المكتب.. ووجدها وحدها تبكي.. من الطبيعي أن يُحاول مُواساتها، أن يقف معها.. إقتربَ منها.. تحدث بضع كلمات إنتقاها ونمّقها جيداً.. لم تردُّ عليه سوى، بـ:"إطلعع براا.. أتركني بحالي.." وطلع براا ولم يغضب او يستاء من لهجتها إطلاقا. فهو يعلم بأنها تُعاني، تتألم.. لم يشعر بالإهانة الّا بعد أشهر!
قد لا تكون إهانة بالمعنى الصحيح، ولكن مُعظم البشر حسّاسون في بعض الأحيان..كثيراً! لا أبالغ إن اخبرتكم بأنها كانت "كالصفعة" على وجهه عندما يتذكرها بعد مرور تلك الأشهر!!
في ذلك الوقت تَكررت "الصفعات"، وصاحبنا لا يتأثر، بل كان يشعر (أحيانا) بأنه سبباً لآلام جاوا! 
وفي تلك الأيام كان (إحسان)، لا يتحدث معها الّا لِماماً(رسميّ كثير)، ولا ينسى همزها ولمزها.. كعادته!
لاحظ ربيع "قوّتها" في مواجهة إهانات صديقة.. قوتها كانت هشةً، تتصنعها بإتقان.. أحيانا تمتلأُ عيّنيها بدموع، تُجاهد في حبسها.. والمواقف في مُجملها "سخيفة"، لولا التاؤيلات.. مع مرور الوقت بدأت تستمتع بما تتعرض لهُ من صنوف الاستهزاء والاهانات المُبطنة.. وهي كذلك تستفزهُ.. وتُهينه بقدر المُستطاع.

الآن استبقُ الأحداث.. واخبركم عن التبدّل الرهيب الذي حدث.. وبعد هذا التبدّل بأشهرٍ قليلة كانت نهاية كل شيء بالمعنى الصحيح.. 
الكلمات على لسان ربيع: بلا سبب واضح، فجأةً أصبحا صديّقين، كأنهما لم يتشاجرا يوماً.. كأنهما لم يُناصبّا بعضهما العداء الذكوريّ/النسويّ يوماً ما..
وأصبحت أنا لا مرئيٌّ تماما، بالنسبة لهما.. كانا يتحدثان وكأنني غائبٌ او جُثة مَرميةً في المكتب!
الأمر كان مُعقد جداً، لماذا استنكرت الإحترام الذي بدأ بينهما ؟ ولماذا أصبحت أكره إحسان واحتقره بهذا الشكل ؟ 
ففي أحد الأيام غضبتُ، عندما رأيتها تتحدث إليه.. رأسي تحوّل لشُعلة نار، وجسدي إقشعرّ من ذلك.. الحديث (الروتيني بينهما). بعدما خرجتُ من المكتب أُجاهد لإخفاء غضبي.. وذُعري.. فكرتُ بأنني أُعاني ما أُعانيه، بسبب خوفي عليها منه.. فأنا اعرفه جيداً وهي لا تعرفه.. ولا أعلم لماذا فكرت بأنه يستدرجها لأمر ما، ما هو الأمر؟ لم أستطع تحديدهُ آنذاك على وجه الدقة! 
بالفعل.. صاحبنا ربيع أصبح لا مرئي في ذلك المكتب.. بل أصبح يُعامل، ككُرسيّ.. كمكبسٍ للورق.. فهم لا يأبهون لوجوده إطلاقاً.
زيادةً على ذلك صارَ، يشعر بإحتقار جاوا لهُ، ففي إحدى المرات وجهت لهُ تُهمةً ما.. وادانته بفعل لم يرتكبه و.. زعلت منه! مما اضطره للإعتذار منها(مُتاثراً بفرضية فقدها القريب).. لا يدري على شو ؟ وهو إلى الآن لا يدري هل كانت جادةً ام تمزح؟! وكان لا اراديا يستحثّها لردّ الجميل، والوقوف معه.. كما وقف معها كثيراً!
مرةً واحدةً فعلها، أخبرها بمُعاناة مُزيفة كان يعيشها آنذاك، وكان لا يرجو سوى مواساتها لهُ.. وأراد أن يخبرها بشكوكه وبحقيقة إحسان.. لكن هيهات، لم يقدر على الكلام بالأمر.. بماذا سيتكلم أصلاً ؟ هو مُتأكد من الأمر(بالفعل حصل ذلك الأمر بعد ذلك!).. لكنه في ذلك اليوم، كان من "الخطأ الفظيع" إن تكلّم!
حتماً سيُفهم كلامه بشتّى التأويلات، كتشويه سُمعة إحسان لأنه حتماً يغارُ منه.. يحسده.. ألخ.
ولكن ما العمل ؟
مَشت الأيام بسرعة، وتوالت الشهور، وقد توثقت علاقة جاوا بإحسان، واصبحا كحبيبيّن او يكادا.. في إحدى الأيام أخبرت جاوا ربيع بما يجولُ في خاطرها، بأنها لم تفهم قصد إحسان من كلامه قبل ساعتين..
"...حكى بدّو يتزوجني..؟؟ سمعتو أنت صح ؟!"
ربيع كأنه كان يعرف هذه النتيجة، ولكنه لم يُجيب سوى بكلمات مُبهمة، وبعد يومين من ذلك الحديث، كان إحسان يُحدث ربيع عن جاوا..: "هالبنت تجنن.. ومُحترمة.. وكويسة.. وما شاء اللهُ عنها" وكذلك استغرب ربيع، بأن إحسان لم يتحدث عن "زواج" قد يحدث بين.. الحبيبيّن. 
وهامت جاوا عشقاً وتعلّقاً.. وبعد شهرين بالتمام، كانوا الثلاثة، يجلسون وراء مكاتبهم في القسم.. وقد اعتاد ربيع أن يراهم يُمازحون بعضهم بلا تكلّفةٍ او إحترام حتى.. وفجأةً حدث ما لم يُتوقع كعادة الأحداث..
جاوا تقول لإحسان:"إنت كلب.. تشبه الكلاب اللي بالشارع.. ها ها ها"
بعد تلك الكلمات هدأ كل شيء، تبدّل وجه إحسان، وتحوّل للون القُرمز الفاتح.. تراجعت جاوا غريزيا.. وبفورة غضبٍ جامح تحدث إحسان: إنتي الكلبة.. يااا*** فعلاً إنك ما.." 
جاوا صُعقت، وتسمّرت لدقائق في مكانها، وخرجت من المكتب مُندفعةً.. وكذلك فعل إحسان، هي توجهت لليمين وهو لليسار.. وأبتسم ربيع بأسىً واضح على مُحياه!

السبت، 1 سبتمبر 2018

الحُرمةُ المُفقودة.. (قصة قصيرة)

خَرج الشاب فاضل وعمّه حسن في شاحنةِ فاضل الكبيرة، للبحث عن أُخت فاضل ذات الثلاثين عاماً، التي تُصنف من فئة "ذوي العقل الخفيف"، بل هي أقرب للجنون المُطلق، لذلك وبعد أن "عنّست"، ورَحل والديّها لدار الحق.. صارت تسكن مع أخوها فاضل وعائلته المُكونة من زوجته التي لا يعلم إلا الله ما هو اسمها، وثلاثة أبناء(بنتين وولد)، يَعيشون في بيت عاديّ، ضيّق(غرفتين للنوم وغرفة للضيوف وواحدة للجلوس ومطبخ وحمامٌ خارجيّ)، في قرية "أم العدس".. المنطقة نائية.. صحراوية.. تتباعد البيوت عن بعضها، وعلى بُعد بضعة كيلو مترات جهةِ الجنوب الغربي توجد مصانع "خطيرة".

فُقدت "الحُرمة" عصراً. في أول الأمر لم تَشعر زوجة فاضل بإختفاء الحُرمة، ولكن مع مرور الوقت بدأ ذهن الزوجة يتوجس حدوث شيء غير عادي.. فظيع.. لا تدري ما هيّتهُ. فزوجها سيعود بعد قليل من عمله (الخاص)، وقد جهزت "غدائه العشائيّ". وأتمّت ترتيب فوضى البيت الأبدية. وغيّرت لبسها الذي عَشقت بهِ رائحة البصل والزيت المقلي.. وجاهدت مع أبنائها كالعادة في إقناعهم بأن الأكل لذيذ.. ألّذُ من شيبس ليز وعصير مُنعش.. ولا خروج للعب الّا بعد حلّ الواجبات، وليتهم يَفهمون بإنها ليست مُعلمة، ليفترضوا منها إجابةً لكلِّ سؤالٍ يطرحونه كـ (125×24÷5)، وقيمة س و ص.

عاد الزوج للمنزل كالعادة، باشّاً.. مُتهلهلاً.. وجهه عندما يكون صافيا بلا ايّ إنفعال، يُثير في النفس شعوراً بالهدوء.. وما أن ينفعل حتى ولو بإبتسامةٍ تجعل الناظر إليه، يُشفقُ عليه. وبعد نصف الساعة كان فاضل يجلس أمام مائدةُ غداءه المُتأخر، وقد اعتاد أن يسأل عن أخته دون أن ينتظر جواباً، ولكن هذه المرة وَجد وجه زوجته يتحول.. لا يبتسم ذلك الوجه، ويقول: "بغرفتها.."، بل صار وجهها "مُستفهماً"..
 قامَ الزوج كملسوع وصارَ وجهه الراضي ساخطاً. والزوجة التي كانت تقف أمام مائدة الزوج (كالعادة)، بإنحناء ينمُّ عن خشيةٍ لا بدافع الخوف إنما بدافع حُبّ إبقاء الزوج رائق المزاج كما هو.. بعدما قام الزوج عن مائدته، تراجعت الزوجة خطوتين للوراء، وضمّت يديها لصدرها كأنها خشيت أن تُصفع.. خمسُ دقائق من الجَلبة والتحرك بين الغرف والخروج مرتين لخارج البيت بَحثاً عن المفقودة..  اخيراً إتكأ فاضل ووجهه الذي صار مهموما.. حائراً. إتكأ على حائط "البرندى"، والزوجة واقفةٌ أمامه، تبدو له وهي في ظُلام فسحة الباب، تبدو ككُتلةً كريهة.. جامدة بلا ملامح كأنها تنتظرُ.. لا شيء سوى أن ينتهي الزوج لشيء تخافه دون أن تُدركه، ولأن التوقيت شتويّ، والساعة قد تجاوزت الخامسةُ مساء، سارع فاضل لأن يُبادر بلا إبطاء.. لأيّ أمر ؟ لا يعلم على وجه الدقة ! لكن لا وقت للإنتظار. 

وعندما استقرّ في شاحنته، إتصلّ بالشخص الوحيد الذي يُمكن أن لا يخجل منه.. لأن الأمر أشبه بفضيحة. وذلك الشخص هو العم حسن وهو أصغر أعمامه، وهو كفاضل تماما.. مُتدين من ناحية مظهره الخارجيّ، ومُطلقاً لحيته، ومُرتدياً (دائما) ثوب أبيض قصير، وهو أقلُّ بشاشةً من ابن أخيه، ولحسنٌ زوجتين.. يذكر دائما أثناء مُزاحه مع الرفاق، بأن شيب شعره، سببهُ ليس عمره الذي قارب الخمسين بل زوجتيّه وحسب.. ويحمد الله على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، رغم أنه مُعدمٌ ماديا، كحقيقةٍ يأبى الإعتراف بها حتى لنفسه..

كأن الشفقُ يتضائلُ غرباً، وشاحنةُ فاضل تجوبُ الأرجاء.. أُخبرَ الرجليّن من عمّال أحد المصانع بأنهم رأوا إمرأة كما وصفها فاضلٌ لهم:"حُرمة.. مخمّره.. حركتها مش طبيعية.."، وتسائل فاضل حينذاك، لماذا يُصرّ على أنها مُخمرة ؟ يُمكن لم ترتدي خمارها عندما خرجت؟ وأحسَّ بإختناق يملأ صدره.
 رأوها تمشي جهة الشرق، وتُحرك يديها عالياً وفي كل الجهات.. وأغلب الظن بأنها كانت ترتدي خماراً أسود(وهُنا إطمئن صدر أخوها).. كانت وكأنها لا تنتبه لشيء أمامها فقط تسير ولا تنعطف إلّا إذا وجهها حائطٌ ما. قبل ساعة رآها العُمال، ولذلك بدأ الرجليّن بالبحث الميداني بالقرب من ذلك المكان.. وكان فاضل هو الذي يسئل الناس عن أخته.. وكان "يرتبك" ويُكرر لفظ "حُرمة" مرتين او ثلاث.. ويُؤكد بأنها تلبس خمارا أسود كامل.. وبأنها "مش عاقلة"، وعمّه كان كالذي أُلتبسَّ عليه او يكاد ينهار بهدوء.. يسترقُ السمع، وينتبهُ لأقوال الذي يُجيبون عن اسئلة فاضل، وهو جالس في مقعده لا يُبارحهُ.. وقد بارحهُ بعدما خيّم الليل.

آخر الذين سُئلوا بشأن "الحُرمة المفقودة"، كانَ أحد حُراس المصانع، وهو رجلٌ يُقال بأنه تجاوز السبعين من عمره، وهو يُؤكد كُلما سُئل بأن عمره تسعةٌ وستون عاما.. وكان للفظ "حُرمة" من فمِ فاضل وَقعٌ في نفسه.. كأنه يسمعه لأول مرة! 
هو لم يرى أي امرأة في الأرجاء منذ ساعة، والساعة كانت التاسعة والنصف عندما جاءه الرجلان.. وعندما أكد الشيخ الشاب بأنها رُؤيت قُرب هذا المكان تقريبا في الساعة السادسة.. أحسَّ الرجل بمرارةٍ وعجز عن طَمئنةِ هذا الشاب الذي يبدو رابط الجأش مع أن الجزع يتقاذف من عينيه، ومن وراءه في كرسي الشاحنة يجلس شبيهه المُستطلع بنهم.. وتذكر بأنه رأى وانتبه لإمراة تضع خمارا اسودا على وجهها وعباءتها ليست سوداء.. كانت تجري بطريقةٍ تبدو بلهاء وراء رجل يتقدمها بضعة خطوات.. مرتين رآها في مكانين مُختلفين، وقد أذهلته سرعتهما في المشي نحو.. كان المشهد عفوي، زوجيّن آثرا المشيّ (في هذا الجو البارد)، على إنتظار باصات لا يعلم إلا الله مواعيدها!. تذكر ذلك المشهد الآن بإنطباع مَهولٌ.. مُرعب.. وتحدث بما رآى للشاب، ولكن تلك المرأة لم تكن ترتدي خماراً أسود كامل؟!، سارع الشاب كأنه -فُهم غلط- يوضّح للحارس.. فلا المكان مُتوقع ولا اللبس مُتطابق.. غادرَ الباحثيّن.. وعاد الرجل الكهلّ لكوخ الحراسة، يُفكر في فظاعة الموقف وقد صار مُؤخراً، يجدُ نفسه حائرا أمام تناقضات هذا العصر.. فمتى صارَ كلّ هذا ؟ وكيف؟؟
ففي زمانٍ بعيد كانَ كُل شيء معقول.. مفهوم.. لأنه لم يكن يُثير الاحتمالات، لم يكن هناك شيء يحمل عدة تفسيرات كلّها صحيحة وتستطيع إن أردت ذلك بأن تجعلها خاطئة ! لأن الموقف في مُجمله بسيط، ولكن هو أعقد مما نتوقع! وتذكر لا يدري لماذا، عمتهُ التي رَفضت خُطّابها وكانت في بعض الأحيان، عندما يكون والدها غائباً عن البيت، كيف كانت تستقبل ضيوف والدها وتُرحب بهم، وتجُلسهم في شِقّ البيت المُخصص لهم.. وتُضيّفهم وتُخاطبهم بصوتٍ عادي، كان جدهُ لا يُناديها بـ "حُرمة" بل بـ "تَرفة".

هاشم عبدالله 2017/11/28

رسالة لمجهول..



في فبراير جئتُ للحياة، وفي أكتوبر وُلدتّ !

في نوفمبر يومُ عيدي، وفي أغسطس/أيلول لا أنامُ جيداً واغفو على حافة الذاكرة.. ففي الثامن عشر من أغسطس سمعتُ صوتي وعرفتني.. وفي الثالث والعشرين منهُ رأيتني.. وفي أيلول مرضتُ وتعافيتُ.

هذا العالم لا يروقني إطلاقاً، لا أرى فيه/منهُ سوى الزيف واللامنطق والفوضى.. هل نحن مُجرد طُفيليات تعقل، وتُحاول ترتيب/تجميل/تطويع تلك الفوضى الوجودية ؟

أنا هُنا أجلسُ على الأرض، ومن ورائي قمرٌ بيضويّ الشكل يعلو في سماء ليلي شيئاً فشيئاً، وأمامي ظلامٌ دامس، وفي البعيد تتلألئ الأضواء. وأنا في الظلام وحدي، وحدي تماماً ومع ذلك أجدني مُحاطاً بالكثير المُزدحم. 
ليلٌ وقمرٌ برتقالي، وظلامٌُ وأضواء بعيدة وأنا، هل هذا يكفي؟ ربما.
لماذا لا نكفُّ عن... كلّ الأشياء! ونبدأ من جديد لننتهي.. لنتماهى مع بساطة الوجود! 
لماذا (حشرنا) أنفسنا في زوايا ضيّقةٍ/خانقة ؟
لماذا تُراقب أعيننا الساعات والتقاويم ولا نكفُّ عن الإنتظار/الترقب ؟
لماذا نحيا اليوم فقط لنموت في الغد ؟ 

ذلك الصدع في قلبك، وتلك الغضون التي بدأت ترتسم على مُحياك، قلبك الذي بدأ لا ينبضُ وعيناك الذابلتان وروحك التي ماتت ولم تُكرمّها بعزاء يليقُ بها، اطرافك التي بدأت تتيبس، ومشاعرك التي استحالت برداً بعدما كانت تحرقك وتُؤذيك، قدماك ترتجفان وملابسك رثّةً باليه.. وأنت ما زلت تبتسم، لأنك لم تعي بعد شيخوختك وأنت في العشرين من عمرك ! لكنك الآن خُذلت، فما عادت اقدامك تحملك وسقطت مغشيّاً عليك، بعدما رأيتك بمرآتك ذات صدفة..