الجمعة، 9 نوفمبر 2018

فتاة البرزخ (1)

إسمي رؤى. وهذه كلماتي.. كلماتي القليلة.


قبل ثلاثة أيام دُفنت في قبري، وعمري ثمانية عشر عاماً وثمانية شهور.. وخمسة عشر يوماً.


كُنتُ قد وصلتُ للتو لـ "مُجمع الباصات"، لم أقم بعادتي اليومية، وهي شراء قهوة وحبتيّ شوكولاته، والصعود بباص يُوصلني حيثُ "مُجمع الباصات" الآخر، ومنه أصعد لباص الجامعة.. بل أردت مشي المسافة بين المُجمعيّن على قدميّ وقبل أن اُغادر المُجمع، صدمتني سيارةٌ مُسرعة، جائت من ورائي وارتطمت بجسدي وقذفتني للأعلى لأموت.. قبل إسعافي للمستشفى (القريب)،

وكنت أُفكر (قبل موتي.. أثناء نزولي من الباص وسيري على الطريق) بالامتحان وبأحدهم الذي تجرأت وأعطيتهُ سريّ ليقرأني، ويُعريّني، بل حاولت لأول مرةٍ أن أكون "شُجاعة" لا اخافني، وكان ذلك بالأمس (بعد انتهاء الدوام قبل الغروب بنصف ساعة).
اتفقنا على المُضي قُدماً جنباً إلى جنب، وها أنا أحنث بالاتفاق الذي أُبرم (بيني وبينهُ) قبل ساعاتٍ قليلة، ها أنا ذا أُغادر قبل أن يبدأ أيُّ شيء.. كم أنا جبانه ؟!
كُنت شُجاعة في تنفيذ كل شيء خططتُ له، أرسلت له في ساعةٍ مُتأخرة، ولم أكن من صديقاته، كانت الرسالة "غبيّةً" جدا ! ومع ذلك لم أشعر بالخوف منها او منه.. توقيت الرسالة كان في، 2:43ص.. "مرحبا.. كيفك ؟" وبضعة كلمات سطحيّة فارغة، وقد حذفت في آخر لحظة، كلمات اعتذار عن إزعاج مُحتمل.. لماذا أتحدث عن نفسي وأموري الشخصية الآن ؟ أنا مُحض جثةٍ، لفتاة في زهرة العمر، اختطفها الموت.. وها هو جسدها الجميل، الممشوق يتفسخ ويتحلل تحت التراب، ورائحتي.. أنا ميتة، هل تفهمون ؟
اقرئوني جيداً.. هذا ما بقيّ مني على قيد الحياة.
وفاتي كانت في يوم الخميس، 2018/5/3م.. أنا "فتاة البرزخ"..


(ماتت رؤى قبل عشرة أيام. قبل وفاتها بيوم عرفتها، وأصبحنا صديقيّن، وصاحبيّ مشروع خططا لهُ ولم يتمّ. قدمت لي أوراق تحتوي "كتاباتها السريّة".. كلماتها القليلة حسب وصفها.. كلماتها التي لم تعترف بوجودها لأحد غيري.. كان مشروعنا صفحة على فيسبوك بإسم "كتابات فتاةٍ عربية"، تنشرُ عليها كتاباتها دون خوف او خجل من كلماتها الصريحة.. وأنا لا أقوم سوى بما يتوجب عليّ القيامُ به، إتمام المشروع وبعثُ كلماتها من الورق إلى العالم.. وما زلت أراها تُغادر المكان الذي جلسنا به أنا وهيّ لأول وآخر مرة.. تُغادر المكان وتترك معي جزءً منها، وتمشي بين السائرين نحو البعيد.. كانت الشمس توشكُّ على المغيب، وكنت أرى وجهها الذي تبدّل لونه من الرماديّ القَلق إلى  الورديّ الخجول، بعدما إطمئنت لكوني سأقرأ "خرابيشها" مثلما قالت ساخرةً من كونها لم تدخل عالم الكتابةُ بعد..
الراوي 2018/5/13)

2017/12/4
الساعة: 10:30م
رأسي يكاد ينفجر، تقيأتُ مرتين منذ وصولي للبيت، لكنني الآن أشعر بالتحسن ولا أرغب في النوم الذي بدأ يُهاجمني ويشلًّ أركاني. لماذا لا أُخبر والديّ بأنني مريضة ؟
*****
11:23م
قبل قليل فرغتُ من قراءة آخر صفحات رواية "كبرت ونسيتُ أن أنسى".. لماذا قرأتها بهذه السرعة ؟ لا لم استعجل نهايتها.. بل كنت أُعيد قراءة صفحاتها مراتٍ عديدة، بدأتُ قرآءتها في الأمس، لماذا تنتهي الأشياء التي نُريدها/نستبطئ نهايتها، بهذه السرعة ؟ كم كانت "فاطمةُ" تُشبهني.. كم من فتيات يُشبهنّ فاطمة بإختلاف التفاصيل والأسماء ؟! 
ليلُ الشتاء طويل، وأنا في غرفتي أُفكر.. وأُفكر.. وأكتب..
ليش أكتب ؟ وليش لم أعدّ أستمتع بتصفح مواقع التواصل ؟ بل أصبحتُ لا أحتمل صوت نغمة الإشعارات.. تكّ تك،ّ وكم هي نغمة الماسنجر مُقرفة والواتس آب كذلك. ليش ما أحذف تلك "المُزعجات" من حياتي ؟ لا أستطيع.. حسناً، سأبقى جبانةً لا أملك الّا... وجهٌ مُدور وعينين ذابلتين واتخيل كلما نظرت في المرآة وابتسمت بأنني أملك غمازتيّن..

رائحةُ أقدامي تفوح في الأرجاء (مع أنني غسلّتهما بالصابون أكثر من مرة)، كم مرةً حلفتُ بأنني سأمتنع عن ارتداء الجوارب النايلون ؟  بصراحة رائحتي (كُليّ) مُقرفة.. مُقززة.. أنا بحاجة حمّامٌ ساخن فقط !! والجو صقيع، وجسدي يرتعش من الحُمّى.. وعقلي لا يرغب في النوم..!!
لأعترف بأنني اليوم، ارهقتُ جسدي.. بل عذبته، في الجامعة وحدها مشيت عشرات الكيلو مترات بلا مُبالغة، وفي السوق تتضاعف الكمية، وأستيقظتُ في الصباح مع أذان الفجر.. واوشك اليوم على النهاية وأنا لم أنم.. إذن مرضي معذورٌ !  ليش أستمتع بلفظ "مرضي"؟ وهل أنا مريضةٌ أصلا؟ 
لأنام الآن واكفّ عن هذه الثرثرة، فغداً عندي دوام.. لماذا لا يمرض الدوام ؟ سأرتدي في الغد جرابات قطن.. صوف.. أذهب حافيةً أحسن لي !! والآن إلى النوم..
***

2017/12/5
الساعة: 8:56ص.
لم أعد أحتمل ثرثراتهنّ، وابتساماتهنّ. هديلٌ هي واحدة من "الشياطين" لا أشك في ذلك إطلاقاً، وجهها جميل.. عيناها واسعتان.. وانفها مُتقن التشكيل.. وجسدها رائعٌ ومُتناسق، لكنها.. لا تُطاق أبداً، لو أنني أستطيع تقييدها، وربط حبة بصل على فمها، وجلدها بخيزران او صفعها كل حين..!! لو أنني أستطيع ذلك ؟بدلاً من الابتسام في وجهها كُلما نظرت إليّ..!!
هل أنا مُفترسةٌ.. مُتوحشة.. داعشية.. لولا الظروف ؟ 

وراما أيضاً تُثير في نفسي الغثيان، كُلما تحدثت، خصوصاً عندما تقول:"إميي.. وااافئت أعمل.. هااا هااا أعمل تاتو عند كعبي.." وأبوها ما هو رأيه؟ ، وانظر لقدمها وفعلا أرى "تاتو" وخلخالٌ ذهبيّ.. أعتقد بأنها أرادت منا أن نرى خلخالها قبل كل شيء! راما لا ترتدي "جرابات"، وأنا ما زلت أرتدي تلك الجرابات اللعينة..!
الجو في القاعات خانق، خصوصا عندما يجتمعن الطالبات ويبدأن بالثرثرة.. تفوح روائح العرق.. والعطور.. و.. عدم الطهارة.. والافواه الكريهة.  لذلك صرتُ أُغادر تلك القاعات فور انتهاء المُحاضرة، ولا ادخل للقاعة إلا بعد دخول الدكتور/ة.. !!
  
1:03م
صديقتي رنا غادرت قبل قليل، لم تُنهي مُحاضراتها، لكنها قررت أن "تُطنش" آخر مُحاضرة، لتعود للبيت.. لم أصدقها ! ولماذا قد -تكذب- عليّ ؟!
هل ذهبتْ مع.. أحد الطلاب !!
لا أدري.. وشو دخلي أنا !! بس هي صاحبتي لازم ما تخبي عليي شي؟ طيب ليش أنا ما حكيتلها عن.. كتاباتاي هذه!! ؟ طيب ليش أنا افكّر هيك ؟ آه دورتي الشهرية هي السبب !!
****
7:51م
قبل قليل رجعت من الجامعة، لأول مرة أعود وحيدة!! دائما معي رنا، عرفتها من أول يوم واصبحنا أكثر من صديقتيّن، مع ذلك لم أشعر يوماً بأننا صديقات.. او أخوات.. أشعر بأن ما جمعنا كان حاجةً او خوف.. لا صداقة او أخوّة كما نعتقد !
لا أدري لماذا أجعل من الحبّة قُبة؟ 
أمي تقول لي: وجهك أصفر يا رؤى.. فيكِ شي ؟ تعبانه ؟؟ أخبرتها بأنني اتضوّر جوعاً فحسب، مع أنني تناولت قبل ساعة تقريباً وجبة شاورما سوبر وكأس كوكتيل.. لماذا أكذب كل يوم على أمي ؟ كُلما سألتني عن حالي وانتبهتْ للون وجهي الأصفر أو الازرق لا يهمّ.. لماذا أكذب وادفع ثمن ذلك قيء يُعذبني وحدي في الحمام ؟ أستحق أن اتقيأ خمس مرات كلما كذبت..!
10:15م
للتو أنهيتُ اتصالي مع رنا، رنا تغيّرت كثيراً ؟ لماذا الآن أدركتُ ذلك ؟ لا لم تتغير رنا.. أنا التي.. حتى أنا لم اتغيّر، أنا فقط صرتُ أرى أكثر مما يجب.. 
***

2017/12/6
12:43ص
قبل ساعة دخلت فراشي لأنام.. او لأُنهي يومي فحسب. لم استطع النوم، تقلّبتُ كثيراً، أغمضتُ عينيّ وتخيّلت الأشياء الجميلة.. الفظيعة.. التي أتمنى حدوثها في حياتي.. موتي المُفاجئ للجميع، يدي تُمسك بيد حبيبي/زوجي/صديقي.. المُهم يدي تُمسك بيد لا أخاف صاحبها.. إصابتي بالسرطان وتعرضي لإغتصاب.. نجاحي في عملي، في كتابة عدة أعمال أدبية لاقت اهتماماً كبيراً من القُراء.. كتاباتي الجريئة الثائرة على كل شيء، وتعرضي للقمع او مُحاولة إغتيال.. كلّ تلك الأشياء لم تُفلح في "رميي" في سديم النوم. 
منذُ شهر تقريباً، تغيّر كل شيء في حياتي. لا أدري هل كانت ولادةً جديدة ام.. لا أدري ؟!
ما هو التغيير الذي حدث ؟ 
فجأةً وبلا مُقدمات، مددتُ يدي والتقطتُّ الثمرة.. المُحرمة، تناولتها دون تفكير..!
في تلك الليلة (السابع عشر من نوفمبر)، كانت ولادتي الثانية.. ولادتي من رحم قضيتُ فيه ثماني عشر عاماً، وُلدت بلا مَخاض، ولم أصرخ عندما لفظتني أمي خارجها.. لم أكن عاريةً، كنتُ خاسرةً إن صح التعبير..! 
حينها كنتُ وحيدةً جداً، غاضبةً.. غير راضية.. توقفت عن البحث والاستمرار في ما أنا عليه.. فقررت الإنعطاف مئة وثمانون درجة، هل كان الأمر مُجرد "نُضجٌ" مُبكر ؟ هل هو الإنسلاخ عن الطفولة والتماهي مع الكبار وعالمهم.. القذر ! لا أدري.. لا أدري.. يجب أن أنام وحسب.

6:17ص
لماذا لا يموت الدوام ؟ ليش لازم أذهب كلّ يوم لمكان، التقي فيهِ بأشخاص لا أرغب بلقائهم ؟ واحضر مُحاضرات مُملة.. راكدة.. وأقاوم رغبتي بالصراخ والنوم والضحك والبكاء و... "التطعيم" على كل ما أرى بعينيّ ؟ أرفع يدي واهمس بـ "نعم"، ليتم تسجيلي حاضرةً، حتى لا اُحرم.. وأُريد أن اسخر/انتقد/أُناقش الأفكار التي يصرخ بها الدكتور، ولا اجرئ الّا على هزّ رأسي والتمثيل بأني فاهمة أو حافظة لا يُهم المُهم حضوري.. 

هذا النُعاس الذي يُداهمني حالياً، ويحتلّني حتى آخر شبر مني، هو ثمن سهري ليلة البارحة.. جوّ الباص خانق وحار، التدفئة مُبالغٌ فيها، والرائحة هُنا تُثير الغثيان والصُداع، وبجانبي تجلس بنت من جيلي، تفوح منها رائحة عطر لطالما اسكرتني وكنت لا أجرؤ على سؤالها عنها..  
2018/9/1



السبت، 3 نوفمبر 2018

نحن الذين عبدنا الله على حَرف، فإن اصابتنا مُصيبةٌ نظرنا للسماء... للأسقف الاسمنتية من فوقنا؛ وتسائلنا: أين الله.. لماذا لا يُساعدنا ؟ هل يرانا ؟ او يسمعنا ؟
لا نؤمن بالله، بقدر إيماننا بأنه موجودٌ لأجلنا، ينتظر منّا رجاءه، فإن أجاب فله الحمد والشكر.. وإن لم يُجب... فلهُ السخطُ والكُفر! 
كفرنا به ونحن ساجدون، في قصورٍ شيّدناها بإسمه. آمنا بهِ ما دمنا لم نعد كما كان أسلافنا يعيشون، بيتهم الصحراء فإن لم يمتلكوا أسباب النجاة، هلكوا... سواء سجدوا للإله او لم يسجدوا !

الله. هو الذي خَلق.. أوجد.. قدّر.. وأختار.. ونحن مُجرد دمىً.
نحنُ من خَلق الله واوجده من العدم، جئنا من العدم وسنعود... لا إله، ولا رسول... لا إلهٌ يُراقب، ولهُ نارٌ وجنة، ولكننا تشربنا العبودية، فمن يُقنع العبد بأن سيّده قد مات ؟ وهو واقفٌ أمام الباب يحمل صينية الإفطار، ومنشفة، ويرتجفُ خوفاً من لسعات السوط ؟

الأربعاء، 31 أكتوبر 2018

كيف سأحمي نفسي من سوادهم !
اللون القاتم في الوجوة العابرةُ منها والمُقيمة ! والكلمات التي تفوح منها رائحةٌ عَفنة !
كيف للحرف أن يبدو مُقرفاً باعثاً للإشمئزاز في النفس...؟ بل هو كذلك !
***
ولماذا العيون هكذا !!
كما لو أنها جُثثٌ سوداء مُتعفنة! لكل شيء يُوقظُ فينا، إحساساً قاتماً ولاعناً للوجود، هلّا ترفقتي بنا وخففتي من وضوحك الفاضح !
نحنُ الذين تُهنا مُذ وُجدنا، وبقينا نبحث ونبحث وقد يغزونا السأم واليأس والغضب مُبكراً ويُفقدنا الرغبة في الاستمرار !

الجمعة، 19 أكتوبر 2018

المُبتسم !!

صَحا من نومه مُبتسماً ! 
هو لا يُصنف (إجتماعياً) كبائسٍ او مُعدم. هو مواطنٌ بسيط؛ كأيّ مواطن ينتمي لـ "الطبقة الوسطى" التي تُوشكُّ على الانقراض! يبدو من غير المنطقيّ أن يصحو مُبتسماً! في العادة يستيقظ ليُسارع في الذهاب للعمل (هو يعمل في دائرة حكومية منذ سنواتٍ قليلة)، يستيقظ في كلِّ يوم، وهو يتألم حرفياً من عدم "شَبعهُ" من النوم.. 

لكنه في هذا اليوم صَحا/استيقظ/بُعثَّ من مرقده مُبتسماً، والغريب في الأمر بأنه لم يستطع (مع بذله الجُهد المُضاعف) لينتهي من "وضع الابتسام" !
وقف أمام المرآة مُتأملاً وجهه "المُبتسم"، رأى وجهه قبيحٌ (جداً) على غير العادة! وبدأت تتلاطم في رأسه مخاوف/وساوس/افتراضات كـ "كيف سيخرج إلى الشارع بهذه الإبتسامة الفاضحة ؟" 
"كيفَ سيُقابل زملاءه في العمل وهو مُبتسم حقاً لا مُشمئزاً كمُبتسم ؟" 
"وكيف.. حقاً كيف سيغضب من زحمة الطريق وهفوات السائقين الاغبياء؟ كيف سيصرخ ويشتم ويلعن و... ؟" 
واستيقظ، وتذكر بأن اليوم هو الجمعة واطمئن قلبه، وبأن الساعة لم تزل باكرة لذلك سينام سويّعاتٍ أُخريات قبل اقتراب موعد الصلاة.. فهذا يوم "يشبعُ" فيه النائمون حقاً..

الأحد، 7 أكتوبر 2018

السؤال هو الذي جعلني أكتب، والإجابة هي التي جعلتني أمرض باحثاً عن علاج. 
والحياة.. هل الحياة مُجرد عذاب ؟ أين السؤال ؟ 
لماذا لا أستطيع كتابة السؤال الذي يصرخ في رأسي؟ السؤال الذي صار كجُرح غائر ومخفي ! 
غضبٌ دفين. حبٌ لا يُمكن مزجهُ مع الواقع. روحٌ تتوق وجسدٌ مُقيّد. وحياةٌ فوضوية تُطالبنا بالنظام !
مُعتقدات. أفكار. مبادئ. إيمان. كُلّها أمورٌ إتضحَ زيفها وهشاشتها ! ومع الوضوح إنحرف الطريق إلى مدىً واسع مُظلمٌ وبارد ! 
في ذلك المدى لا يوجد إلا الظلام والبرد. لا يوجد طريق ولا معالم ولا أمل بإشراقٍ لشمس !
حرفي ليسَ كئيب. وفكري لا يحتضر. وأنا مُتفائل !
مُتفائلٌ بعد كل شيء ! كأن التفائل كان هو القشة التي تعلّق بها الغريق ! وغرق! لكنني مُتفائل كمن يعلم بأن وراء هذا الموج المُتلاطم وهذا الظلام الدامس، أرضٌ شاسعة تُشرق شمسها كل يوم وتغيب لتعود مُجدداً.

كُنا أطفالا وكبرنا. كبرنا وعرفنا نعمة الطفولة. لا نعرف قيمة الاشياء إلا بعد فَقدها.. هكذا نحن. بهذه السذاجة!
لماذا لا نعترف بأننا -قد نكون- أخطأنا ! 
عندما... لا أدري ! لكننا حتماً ارتكبنا خطأ فادح ندفع ثمنهُ طيلة حياتنا ! لا.. نحن لم نُخطئ ! أنا لم اخطئ!

خوفنا الدفين. كل شيء مدفونٌ فينا دون أن يموت! مَن المسؤول عن دفن الحي ؟
خوفنا الدفين هو سبب تعاستنا وموتنا على قيد الحياة، وهو سبب قَلقنا واضطرابنا ورقودنا الباكر!
نحن... أنا.. أنتم. كُلنا جبناء بدرجات مُتفاوتة! 
كل شيء من حولنا بسيط ومُتقن ويحيا ببساطة، إلّانا نحيا ونُمارس التعقيد ومن ثم نتسائل بغباء.. لماذا كلّ هذا التعقيد ؟ بل أصبحنا لا نرتاح للبسيط. أصبحنا نبحث عن التعقيد والتعب. لا نعلم سوى مُعادلة فارغة تقول: بأن النجاح/التفوق/الإبداع لا يحصل إلا بعد بذل الجُهد المُضاعف أو بعد خوض الِصاعب والتحديات!

ذات يوم ستُدرك بأنك خسرت.. عندما لم تجد من وقتك لحظات تُجالس فيها احبائك.. 
تتأمل وجه أمك لتُدرك كم كنت غائباً.. كم من تجاعيد بدأت تغزو وجهها دون أن تحزن -على الأقل-!
لتعلم بأن أباك بدأ يَهرم، وبأن إخوتك بدأوا يتغيّرون مثلك تماماً.. وبأن مُعظم أصدقائك لم يكونوا سوى عابرين. وبأن ما أحببت لم يكن سوى سرابٌ خَدعك!
وما الذي بقي ؟ كل شيء يسير !! وهذا السير مُخيفٌ جداً..! 






  

الخميس، 4 أكتوبر 2018

حديث الجُدران

الجُدران تُحاصرني. وحاجتي للكتابة صارت كحاجة الكائن الحيّ للماء والأكل والسُلطة والحُب و.. الوطن !

أيُّ وطن ؟ هذه كلمةٌ جوفاء فارغة !

الأوطان أكبر من مُجرد، أراضٍ مُحدّدة بأشياك وأسوار، وصوّر لقادة وألحان وترانيم لأغانٍ وطنية، وكلمات مكرورة تتناقلها الأجيال حتى غدت باليةٍ وغير مُجدية!
عن أي أوطان يتحدثون ؟
عن تلك اللتي ضاقت بأهلها ولم تحتمل وجودهم عليها، فَلفظتهم خارجها، لتتلقفهم أمواج البحار وتستوطن جُثثهم قيعانها ؟
أم عن أوطان وأدت طاقات/طموحات شبابها في التغيير. والحصول على حقوقهم "الإنسانية"، واكرهتهم على الهجرة والاغتراب طلباً لتلك الحقوق ؟



كفرتُ بكلّ الأشخاص والأسماء والمفاهيم والمعاني، وآمنتُ.. هل أنا مؤمنٌ بشيء ؟
"عدم الإيمان" لا يتوافق -إطلاقاً- مع ضعفنا (الإنساني).
الجُدران وحدها تُعريّنا، تفضحنا، أمامنا..! فهل أصبحت الجُدران مرايا زُجاجية تعكسنا لنرانا ؟
وهل يوجد أتعس من إنسان لا يجد لنفسه مكاناً يكون فيه على سجيّته ؟
مَن يعرفك ؟ لا أحد !
هل تعرفُ نفسك أو هل حاولت معرفتك ؟
دعني أُحدثكَّ بحديث الجُدران؛ الجُدران مُجرد وهمٌ جميل، يحمينا من عيون الآخرين ومع ذلك لا نكون وراء الجدران سوى خائفين من... العيون.. الأصوات.. الشمس.. الليل.. الحرُّ والمطر..!

في غرفتي صنعتُ وطني "الخاص"، ولا أُنكر بأنني في أحيان كثيرة إنتابني شعورٌ بالاغتراب وانعدام الأمان.. في غرفتي.. في وطني الخاص!
لا أُحمّل الوطن عبئي.. لكنني أعتب عليه فحسب!

ذات ليلة، وقد كنتُ حينها طفلا لم يتجاوز الثامنة من عمره، إستيقظتُّ من نومي خائفاً.. مرعوباً.. وتلفتُّ حولي ولم أرى سوى الظلام وصوت الهواء العاصف في الخارج يدبُّ في رأسي كقرع الطبول (كان ذلك في شتاء عام 2004)، أردت أن أُنادي أُمي أن أرى أبي واقفاً في الممر يشربُ شاياً سخنّه جيداً.. أن أرى اخوايّ نائميّن بقربي.. ولم أقدر الّا على التكوّر في فراشي واغماض عينيّ.. وتذكّر بأن في الغد لن يكون هناك دوام للمدرسة!! وكان ذلك كافياً ليطمئن قلبي!!

وفي "حوش بيتنا" كان يوجد حوض "برسيم" صغير، رأيته كخارطة فلسطين، ومنذُ تلك الرؤية بدأتُ أخوض عليه لعبة "الحرب".. لم اتجاوز حينها العاشرة من عمري، حين قسمّتُ ذلك الحوض بقطع اللُّبن، كالجدار العازل وفي كلّ يوم كانت تستعرّ المعارك ما بين جنود و.. نمل! وكنتُ بجنودي البلاستيكيين أقتلُ كثيرا من النمل.. وأدفن النمل المقتول وأُقيم للقتلى (النمل) جنائز مَهيبة.

قلبي الذي بدأ يخافُ وينتابهُ القلق كُلما كبرت وانسلختُ عن طفولتي، وكأن "عالم الكبار" الذي كان هاجسي ومُبتغايّ وأنا طفلٌ، مُجرد عالمٌ من المخاوف.. عالمٌ من الواقع الرماديّ..
وقد كنتُ أرسم الوجوه، والديناصورات وعلم وطني، وانف المُذيع الذي يظهر على شاشة التلفاز، ويُرتلّ بصوتٍ واهن، ترنيمة الحرب القادمة، وكان الليل مُرعب والصباح جميل، والمدرسةُ هي المُنغصّ الوحيد للسعادة، سأكون سعيداً عندما أتخرج/أُغادر المدرسة، هكذا كنت اتخيّل ؟
كان الخوف واقعياً، مثلاً؛ الخوف من ظلام الغرفة وتخيّل وجود "شبح" في ذلك الظلام، ونُباح الكلاب في الخارج، وإنقطاع تيار الكهرباء في ليالي الشتاء العاصفة، وصار الخوف غامضاً، وكلما كبرت أمعن الخوف في حصاري، مع أنني لم أعد أخاف الليل، وظلام الغرفة، وأعرف بأن لا وجود للاشباح، وما إنقطاع التيار الكهربائي سوى عُطل فني، تعمل فرق الصيانة على إصلاحه !

كنتُ اسئلُّ كثيراً، ولا أدري لماذا كنت أشعر بأنني أُزعج الذين أسئلهم مع أنهم كانوا يُجيبون على اسئلتي.. الغبيّة، بإجابات تُرضي فضولي..أحياناً !
"يبّه وين يعيشون الأقزام ؟ يمّه الله موجود فوق الغيوم ؟ ليش ما عندنا فيل ؟ للغيوم حنفيات ؟ وين نروح بعد ما نموت؟  ليش اليهود يقتلوا الفلسطينيين ؟ وليش العرب ما يساعدوهم ؟ ليش أمريكا أحتلت العراق ؟ وليش العراق احتلت الكويت ؟"

كبرتُ ولم انسى. هل أنا حقود ام أملك ذاكرةً ملعونة، تكتظُّ بالكلمات والمشاهد والوجوه ؟
بدايةً بسقوط بغداد، ثم دبابات تملأ شوارع رماديّة كُلّها حجارة بيضاء وأطفال يقذفون الحجارة على جنود مُدججين بالسلاح ويموت اولائك الأطفال بالرصاص، ذات يومٍ (فبرايريّ) كنت عائدٌ من المدرسة وأمي في غرفة الجلوس وعلى شاشة التلفاز إنفجارٌ ودُخان وأُناسٌ تحولوا لاشلاء محروقة(إغتيال الحريري)، ولماذا فقط "الحريري"؟ لماذا لا تكون للآخرين أسماء كما الحريري؟،
ما قبل سقوط بغداد ؟ ما الذي تخزّن في عقلي ؟ آه.. ولادةُ أحمد ولعبتي (سيارة الشرطة البيضاء) والاريكة ذات اللون الزيتي.. ولماذا لا أذكر تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر؟




الثلاثاء، 2 أكتوبر 2018

يبدو بأن صاحب العقل المُستيقظ مُعذبٌ. وبأن الذي يَطمح ما هو الّا كطائر يرتفع.. ويرتفعُ للأعلى أكثر فأكثر إلى أن يَهوي إلى الأرض. 
مهما ارتفعت الأشياء وعلّت، لابدّ لها من أن تتوقف وينتهي ارتفاعها، وتبدأ برحلة الهبوط للهاوية. هل الارتفاع غباء ! 
هل يبدو الأمر منطقياً أكثر كُلما أمعن في الضبابية ؟
ام أننا إعتدنا الضباب وإنعدام الرؤية ؟
والشمسُ صارت ضَرباً من الخيال ! والليل بدى وحشاً مُستعداً للإفتراس !
والوجوة كُلها مُعتمة. والابتسامات مُجرد أقنعة. والطريق الواضح المُستقيم كان حُلماً واستمر.. كُل الطُرق مُتعرجة ! معالمها رماديّة ! والليل كائنٌ مُفترس، والصُبح أسرع للزوال ! الصُبح لا يأتي ! كيف يزول مَن لم يَظهر ؟
وكلُّ هذياني مُجرد تهاويل اوجدها وغذّاها عقلي المريض ! هل أنا المريض ! ام أنني أدفعُ ثمن رغبتي... رغبتي بالحياة الحقيقية !!
سواد الليل وعتمة الصباح وإختناق الظهر وكآبة العصر وموت الشمس وعودة الإسوداد، كُلها تُمعن في حصارك وأنت مركونٌ في زاويةٍ ما.. تتألم من قيودك وفي اثناء غفواتك المُتتاليات تتخيل الإنعتاق !!
يا هذا الجاثمُ فوق صدري، هل تنام ؟ 
سقطت أوراق العنب والتين. وامتلئت السماء بغيوم لا تُمطر.. والشمسُ من وراءها طغت بحرارتها. 
ووجه القائد دائما يبتسم، لكنه مؤخراً بدأ يَشحب. 
وأمي بدأت لا ترى بشكلٍ جيّد. وأبي بدأ لا يسمع الأصوات جيداً. والناس جميعاً... بدأتُ لا أحتمل غثيانهم واصواتهم وحتى ظِلال أجسادهم.