الاثنين، 10 سبتمبر 2018

فرخندة (قصة قصيرة)

-بابا..
-شو يا ولد ؟
-شو اللي يحترق.. هُناك، تحت السور والناس والشرطة متجمعين حواليه؟
-الله أعلم.. يمكن "قُمامة" جمّعوها واحرقوها..
وتسائل الطفل في نفسه: لمَ لا يُحرقون "فيضان" القُمامة النتنة التي تملأ الأزقة والشوارع الضيّقة في الحيّ الذي يسكنون فيه!؟
...
خَرجت من بيتها.. لتنعم بأجواء الصباح المُنعشة والرائعة حول مسجد "م" الكبير، فاليوم إجازة.. وقد إعتادت التنزة في تلك المنطقة القريبة من نهر "س".. الشوارع تمتلأ بالمُتنزهين والمُتسوقين والباعة.. وعندما وصلت صاحبتنا قُرب المسجد، إنتبهت لشيخ يجلس في ظلّ المسجد، تتجمع حوله النساء.. وهي تعلم بأنه يبيعهنّ حُجب وتمائم، ويدعيّ بأنه يُعالج(بإذن الله) المسحورين والمُصابين بالعين، ويملأ جيوبه بأموال تلك النساء!
أرادت صاحبتنا أن تغضّ طرفها كالعادة وتستمر في المشي.. لكنها توقفت وحدّثت نفسها بأنها إن صمتت كما الجميع سيستمر هذا "الدجال" بإستغلال جهل تلك النسوة، اللواتي إن لم يخلعن النقاب ويعلو صوتهن فالمجتمع مازال بخير..
توقفت قُرب الشيخ ومجموعته.. إنتبه لها، هي لا تلبس الخمار.. ترتدي شالاً خفيفاً على رأسها.. نظر إليها وبَدت على وجهة علائمُ الاشمئزاز والاحتقار.. وبعد أن تضائلت المجموعة نادت عليه، وردّ عليها كأنها زبونةٌ له.. أخبرته أنها تريد الحديث جانباً معه.. قامَ، وصَرخ على مجموعة النساء الواقفات بشتائم، لا تتناسب مع ما يُبديه من وقار وحكمة..! لا بأس فهو رجل وهُنّ نساء!
عرّفته بنفسها.. وتخصصها الجامعي.. أخبرته بأن ما يقوم به لا يجوز، فهو إستغلال لحاجة ومُعاناة الناس!
جَحظت عيناه، وكان يستمع لصاحبتنا وهو يتلّفت بكل الاتجاهات.. هي فَهمت بأنه لا يُريد أن يعلو صوتها حتى لا يسمعها أحد خصوصا "زبوناته"..
خَفظت صوتها.. واستمرت في الكلام.. وأكدّت لنفسها بأنه لا يعي ما تقول.. صَمتت! وبقي هو صامتاً وكان يبدو على وجهة بأنه في ذروة كَمد شديد.. وفجأة بدأ يَصرخ ويُنادي بالناس: "هذه المرأة كافرة.. أحرقت القرآن.. و.." لم يُكمل حديثة.. حتى تجمهّر الناس كأنهم كانوا ينتظرون بفارغ الصبر أمر كهذا..
صاحبتنا تراجعت خطوتين.. مع تجمع الناس حولها وتكاثرهم عليها.. رفعت يديها، واحسّت بأن قلبها سيخرج مقذوفاً من بين اضلعها.. حاولت أن تتكلم ولم تعرف بماذا تتكلم.. تعالت التكبيرات والصيحات.. رأت في الوجوه ظمأ لشيء ما.. 
تكاثرت الأيدي عليها، وسَحلوها.. من شَعرها.. وكلٌّ منهم يُحاول جاهدا أن ينال منها ولو برفسة.. حاولت تفادي ضرباتهم والهروب من هرواتهم ورفسهم وحجارتهم.. كانت تصرخ وتستغيث.. توقفت وهي لا ترى شيئا ولا تسمع سوى طنينٌ حاد في اذنها اليسرى.. بكمّها مسحت الدم الذي غسّل وجهها مُتدفقاً من رأسها المفجوج... لمحت وراء الذين.. يحاولون إفتراسها، رجالٌ كُثر يُشاهدون من بعيد ويُصور بعضهم الحدث.. هل للذكرى يُصورون ! عددهم يفوق المئة.. يُحاصرونني، وجميعهم يُريدون.. قتلي!(في لحظات حدثت نفسها بتلك الكلمات).. ولَمحت رجال الشرطة واقفون بعيداً وينتظرون! واحد ضد مئات.. وكيف والواحد "إمرأة" في بلاد "الذكورية"، في بلاد لا تحترم المرأة.. 
وسقطت صاحبتنا أرضا، ومن يلومها على سقوطها؟ يقفُ فوقها من استطاع الوصول ليضربها بحجر.. او لبنات بناء.. وقطع خشب.. واللهُ أكبر تُدوي.. وهم مستمرون بسحلها(جرّها) وقام أحدهم بتغطية شعرها! ورموها أخيرا من فوق السور.. إلى الأسفل حيث شاطئ النهر القذر.. كوموا فوقها القش والنفايات واحرقوها.. وهدأت ثورتهم.. ولعلّ نفوسهم اطمأنت بعد ذلك؟! "أُحرقت.. وقد كانت تُفكر بأنها تأخرت عن بيتها.. فوالديّها بحاجة مُساعدتها لتحضير وجبة الغداء.. وقبل أن تلتف للعودة، رأت شيخ المسجد والتقت نظراتهما.."

الأربعاء، 5 سبتمبر 2018

مُتلازمة ستوكهولم (قصة قصيرة)

ن.ك موظفة تبلغ السادسة والعشرون من العمر.

"ياااه مسرع الأيام! قبل سنة توظفت هون.. ولسّى.. ما حدا خطبني..(وامسكت مرآتها وبدأت تتأمل بوجهها)... متى ؟ ليش طيب؟(وتُبحلّق أكثر في المرآة.ّ وكلّ يوم تسأل نفسها تلك الأسئلة).. شو ناقصني؟ يعني شغلتي أبارك واستنى عريس الغفلة ؟"

تغيبُ تلك التساؤلات في لحظة.. عندما تنهمكُ في عملها.. في بداية مشوارها العملي هُنا، تعرضت صاحبتنا لكمّ هائل من الصعوبات والتحديات.. إذ وجدت نفسها فجأةً، كغريبةٍ في مكان، يستهجن ويرضى على مَضض وجودها فيه، تلك الأمر تسببت لصاحبتنا بما يُشبه شعور أحدهم وهو يقفُ بسيارته في أزمة مرورية خانقة، واللي وراه نازل:"طوووووط"، ولا يقدر هالاحدهم إخبار ذلك "المُطوّط" بأن الذي أمامك كأنهُ أنتْ بالنسبة له!! والسيارة لا يوجد فيها تكييف وحالة الطقس موجةٌ حارّة..!

تصبّرت.. لأن الصبر هو خيارها الوحيد!
وأكثر ما كان يُضايقها، هو مزاجُ مُديرها المُتقلب.. المُتأجج كنارٌ مُوقدة.. خصوصا عندما "ينقذفُ" في القسم الذي تعمل به صاحبتنا.. حينذاك تشعر بالرعب والدمار الوشيك وكل ما هو سلبيٌّ وفظيع!

وهي تعمل في قطاع خاص، فعملها موقوفٌ على رئيسها! و أكيد على "تفانيها" والتزامها بالعمل..!
من خلال إنطباع صديقتنا، يبدو الرئيس كسجّان، يُقيد مساجينه، ويُذيقهم صنوف العذاب والتنكيل (مجازيا)!
(عموماً ما دمنا لم نُعايش ما عايشته صاحبتنا، يجب علينا أن لا نُنكر انطباعها ذاك ويحقُّ لنا بأن لا نُصدق).
...
بعد شهور قليلة من العذاب في حضرة الجلاد الرئيس(أعتقد شهرين)، بطبيعة الحال بدأت صاحبتنا تَألف أجواء الاحتقان والسخط الرئاسي الدائم، وتشعر (لا اراديا) بالرضى وأحيانا باللذة في تلك الأجواء!
..
في إحدى فترات استراحة الموظفين(قبل أيام).. كان نقاش الموظفين، يتمحوّر حول "تعامل الرئيس السيء معهم"، إستمعت صاحبتنا لهم.. لتهمهم وافترئاتهم على الرئيس، وعندما تحدثت دافعت عن رئيسها بثقةٍ وهدوء، (ورئيسها كرئيس أحد الدول المُجاورة، لا يُمكن إطلاقا الترقيع له).. وكانت تعتقد بإيمان راسخ بأنه بريء، وبأن زملائها يفترون عليه، وبأنه "يستاهل كل خير"، وهي تتحدث وحتى بعد انتهائها، كانت تشعر وكان رئيسها يسمعها.. ويعرف(لا يعلم إلا الله كيف؟)بأنها دافعت عنه.. فهي تستحقُ أن.. يُعاملها ويُعامل الموظفين، كبشر لا كآلات وعبيد، وبأن يَخلع عنه "دور السجان فقط"!.

العَصا..

{"قال هي عصايّ اتوكأ عليها واهشُّ بها على غنمي.."} سورة: طه، الآية: 18،

العَصا بشكلٍ عام تُستخدم لإلحاق الأذى بالاخرين، وهي وسيلةُ دفاع وحماية بدائية..
أمسكتُّ عصايّ بيدي، وقد كنتُ أمشي وحدي في فلاةٍ مُوحشة، تعيشُ فيها كائناتٌ هجومية، ولابدّ من وسيلة دفاع/حماية، تلك الوسيلة بالتأكيد ليست "ذاتية"، كون الإنسان صار مدنياً ولم يعد بربرياً ووحشياً، يملكُ انيابا ومخالب!.
عندما فكرت بذلك الأمر (صراع الغابة)، سألتُّ نفسي: لماذا من الطبيعيّ أن أتعرض لهجوم مُفترس ؟ ولماذا تهرب الكائنات الحيةُ منيّ عندما تراني ؟ وتتخذ وضعية الدفاع ؟ ولماذا أتوقع دائماً، بأنني سأتعرض لهجوم لذلك اُبادر في إتخاذ وسائل الدفاع.. كالعصى التي أحملها معي؟!
هل هو مبدأ (إتغدا قبل ما يتعشى بك)، حملي للعصى في أراضي الكائنات الأخرى، هو بمثابة امتلاك لوسائل دفاع/هجوم.. لذلك تختفي مشاعر الوحشة والترقب للهجوم المُحتمل..!
العصا، قد يكون في حياتنا، اكثر من مُجرد قطعة قاسية من الخشب، العصا هو: العلم، والعمل، والاستقلال الإقتصادي، نتائج التجارب والدروس الحياتية، الانتماء للأرض وحبّ الوطن..
{"...ولي فيها مآربُ أُخرى"} هي مُكتسبة، تحملها بيدك، وتمشي بها دون أن تنوءَ بحملها معك..

مُجرد قرصة إذن! (قصة قصيرة)

تركتها لأنها.. خانتني!
صراحةً، أنا مُتأكد بأنها ما تشوف غيري.. بس أنا "غيوور كثيير". ولأني غيور و "زلمه" صرت اراقبها.. مُش مثل اللي بالمُسلسلات والأفلام.. لأني مُش..
يعني.. إمبارح تركنا بعض، وأنا الآن... اخخخ شعوري****.
كُنا طالعين.. لأننا مُشتاقون.. أول ما قعدنا بالمطعم، راحت عالحمام.. راحت من هون ومسكت تلفونها الذي اعرف باسووردة من هون.. دغري فتحت عالواتس، ووجدتُّ (الدليل الصارخ)، وهو مُحادثة من أمس بالليل المُتأخر مع رقم (بدون اسم).. تأكدت بأنه شابٌ، و"إنعجقت"، لدرجة أنني لم أستطع قراءة المُحادثة بالكامل، وهي طبعاً ما تأخرت بالحمام.. بتلك اللحظة أحسستني، كفرخ او فأر او بسّ.. وجهي كان يتحدث بما يعتمل(من سخط) في أعماقي.. ما قدرت أتحمل، عصّبت وقُمت.. وانتهى كل شيء.

بعدها، إتصلت بي (خمسطعش) مرة، حظرتها عالواتس والفيس والانستا.. وقمت بحظر رقمها أخيراً.. قُمتُّ بكُل ذلك وأنا مُتردد وحاس بذنب فظيع.. ولم أستطع النوم في تلك الليلة!
بس كمان إرتحت من قَلق وارتباك لا يُطاق كان يلازمني خلال تلك الفترة.. ما اعرف سببه!
إختفى كل شيء وحسيّت برضى مع إني مُتأكد كثير بأنها لم تخونني..!
إنبجسَّ قَلقي وارتباكي من.. لمّا شفت صاحبتها "أمل"، أرسلت لأمل أكثر من عشرين رسالة ماسنجر، ولم تردُّ عليّ!
أعرف مكان عملها، وذهبت إليها.. ما أدري ليش بالضبط! وطلعت ما تعرف "حبيبتي" الّا من شهر! (أنا كنت مفكرها صديقتها منذ الطفولة)، والعلاقة بينهنّ رسميات، وأنا أخبرتها.. بأن علاقتي بـ"حبيبتي" مُجرد صداقة مش أكثر، واتمنى منها (أمل) أن تتقبلني كصديق.. 
ذهابي لأمل عالشغل، بعد رسائلي لها(التي ندمت على إرسالها في ذلك الحين)، كان فقط للتأكد من صداقتها بحبيبتي وحتى أكون آمناً ولا تعرف حبيبتي تلك المسجات اللي كلها غزل و"رخصنة".. حبيبتي لم تخونني مع أحد، ولكن المهم أن شعوري (القلقي الإرتباكي) خفَّ او.. إختفى. بس أنا مستحيل أتخلى عنها، راح ارجعلها بس لمّا.. تتربى وتعرف بأن حبيبها "غيووور.. وزلمه"، هي مُجرد قرصة إذن لا أكثر!!

الثلاثاء، 4 سبتمبر 2018

غرفة رقم 12 (قصة قصيرة)

صديقتي ر.ح، طَموحة و..
هاجمها صوتٌ:"إنتي ليش ما تتركي تلفونك.. وتحكي معنا"..وهي تُحَرج من أي نقاش او تأنيب او زجر.. بس ما يطوّل هالاحراج.. 

اليوم كانت صديقتي مع.. مجموعة زميلاتٍ لها، وَجدت نفسها، "مرميّةً" بينهنّ، لأنه من "الضروري" أن تكون بينهنّ..
لا توجد "موضوعات مُحددة" للنقاش بين المجموعة، حتى تستطيعُ المُشاركة وإبداء رأيها ولو من قَبيل المُجاملة..! من المجموعة لا تعرف سوى صديقتها ن.ع.. واثنتان تعرفهما بشكل سطحيّ..

الهاتف هو "المُخلّص" بالنسبة لها، يُخلصها من الشعور بالمسؤولية.. مسؤولية الوجود وواجباته في هكذا جَلسات.. من الواجبات مثلاً: المُشاركة والتفاعل مع المُتحدثين.. على هاتفها تتصفح بلا تركيز او هدف.. تتنقلُ ما بين التطبيقات.. وفي أثناء ذلك تقوم ببعض الحركات اللازمة، حتى تظهر كمشغولة او مُنهمكة.. وتشعر في أثناء ذلك بالذنب والاحراج(لابدَّ من الإحراج!) مِن ماذا ؟لأنها لا تُشارك.. 

تتسائلُ كُلّ حين:"شو اللي مقعدني.."، وتبقى جالسة!
الإحراج "ينبجسُ" عادةً، عندما ينقطع الحديث.. وكأنها مسؤولةٌ عن ذلك الإنقطاع!
عندما تعود للبيت، بعد تلك الجلسات، يعتريها إنهاكٌ شديد، وكأنها قد قامت للتو بحفر خندق، او تحطيم حجارة بازلتية ضخمة..!

تُحدّث نفسها بتأنيب وعِتاب:"ليش أقعد معهنّ..؟ ليش ما أغادر او.."، لا تجدُّ جواباً، لطالما فكّرت بهذا الأمر (الامتناع عن تلك الجلسات)، لكنها في كلّ مرةٍ تشعر وكأنها للمرة الاولى تُفكر في الأمر؟! واستأنفت حديثها:"طيب.. المرات الجاية راح أشارك واحكي و.. لازم لأني.. هيك ما راح أقدر، يا أغادر يا أشارك.. بلاش تظلّ سعدية تتخوث عليّ.. وبلاش تظلّ رجوى تهاجمني وتبهدلني.."، هي مُوقنةٌ بأن زميلاتها يتهمنها بالتكبر.. والحُزن والتعاسة، وبأنها حتما تُعاني.. وذلك ما يزيد جُهدها العصبيّ جُهديّن.. تلك هي جلسات إستراحة لمُمرضات مستشفى ح.ن الخاص.

منذُ أسبوع تم تعيينها، في يومها الأول كانت كمن يُطالب بأمرٍ ما لا يُعرفه بمعنى الكلمة... من رأسها طارت كل دراستها وتدريباتها العمليّة! نسيّت كل شيء يتعلّق بكليّة التمريض، سوى سقوطها من أعلى درج الكلية للأسفل! في أول أيام دوامها هُناك!

عادةً في الأوقات غير المُناسبة، تحدثُ الأمور، فقد تذكرت ذلك الموقف "المُضحك"، وهي تقفُ بجانب سرير أحد المرضى برفقة أحد الأطباء، ولم تستطع الإمساك عن الضحك الذي ظَهر جلياً في حضرة الصمت المُطبق.. الدكتور أُحرج وأحسَّ بأنه "مُضحك جداً" لسبب يجهله طبعاً ! والمريض أيضا انتابه ذلك الشعور! وصديقتي "إنعجقت" وأحمرَّ وجهها.. بسرعة تداركت الموقف وكحّت واستأنفت عملها.. ما هو بالضبط عملها ؟ هي بدأت بالتظاهر بالانشغال والوقوف بجانب الاسّرة، والتأثر لأحوال المرضى وانتظار حاجة أحدهم للمُساعدة لتُقدمها له.. والذهاب والإياب في الممرات، والتصبّر على آلام واهواء المرضى، وكانت تعود للبيت مُتعبةٌ، مهدودةُ القوى، مدهوشة ومُتسائلة، وكأنها قد خاضت معارك غير مُتكافئة.. تتذكر دخولها للمستشفى ليومين عندما كانت طفلة ، كَرهت كُل تفاصيل غُرف المرضى بعد ذلك، رائحةُ اليود والمَرض والمُعقمات وأنين المُتألمين، ووجوه السائرين في الممرات..!
وهُناك جانب آخر لطالما ارادته وهي طفلةٌ أيضا، وهو العناية بمن يحتاجها، ومُساعدة المُحتاجين، ومُواساةُ الموجوعين..!

"راح أتعود واتعلم، هذا هو الشي اللي كنت استناه.. ليش الآن حاسيته صعب.. كل صعب يسهل مع الوقت.."
"يا آنسة.."، إيقظها ذلك النداء البعيد.. إلتفتت وسألت نفسها مَن يُنادي؟ الجميع نائمون!
وقد كانت تُفكر بلحظات تخرجها، وسهرها المتواصل المحموم، تعبها واجتهادها و... حُلمها!لطالما اخفتهُ في أعماقها، وابعدتهُ قدر الإمكان عن وَعيها وتفكيرها وشرودها..
طبيبةٌ.. ذلك هو حُلمها المُستحيل..!

تتذكر لُعبتها التي تتكون من سمّاعة نبض، علبة دواء، حُقن وسريرٌ صغير، وقد كانت كانت تُحاول إيجاد مريض بحجم ذلك السرير.. ولم تجد!.
جاء موعد إختيار الفرع الثانوي؛ "بدي علمي" وراح أجيب (إن شاء الله) مُعدل يسمحلي ادرس طبّ، أنا شاطرة بمواد الفهم، الفيزياء.. الأحياء.. الكيمياء.. الرياضيات أكثر مادة أحبها.. واصطدمت بـ:"ردّي علينا.. إنتي ما تعرفي مصلحتك.. خليّ حلمك وهدفك على قدّك.. لا تشطحي بإهدافك لفووق.. إصحي ولك.." إصحييي يا هاانم.. تفكري نفسك ببيتك..
آهه.. آسفة.. ما انتبهت!
معلشش.. بس روحي شوفي الغرفة "12" بسسسرعة!

صديقي م.ع، تم إخراجه من غرفة العناية المُشددة قبل يومين، قَضى في العناية إسبوعٌ ويوم، أمضى تلك الأيام غائبا عن الوعي.. تتأرجح فُرصُ نجاته بين موتٍ وشيك واسترداد كامل للعافية..! كان يقتربُ من الموت صباحاً ويتعافى كُليّا في المساء والعكس، وبعد مرور الأسبوع واليوم.. إستقرت حالته الصحية على "تمام العافية".. ها هو يرقدُ على السرير، ساكناً يبدو مُعافاً، في غرفة رقم 12، ينامُ مُعظم الأوقات، وعندما يصحو يتفرسّ بما حوله، كأنه لا يُدرك وجوده ويعود بسرعةٍ للسكون..

صديقتي كانت قد سهرت الليلة الماضية على نومه العميق، بقيت قريبةً منه، لتتاكد من إستقرار حالته..
عندما عادت إليه في آخر مرة، كان قد استيقظ للتو، وكان صافناً في اللاشيء.. ندّت منهُ صرخةٌ مكتومة، عندما إنتبه لوجودها قربه.. وهمست له بصوت مُرتجف:"بدك شي ؟ محتاج... شي؟"
بعد لحظات صمت، اجابها:"إنتي..(وحكّ مُقدمة رأسه)، اسمعي لا تحكي.. إلهم إني.." (ضَرب رأسه واعتصر وجهه).. واستأنف حديثه المُفكك.. المُبهم:"انااا.. مين أنا؟... وليش أنا موجود؟ قص.. قصدي بالمكان هاذ ليش أنا هوون؟ شو اسم المكان؟ هي... سيارة كانت.. وصوت قويّ.. أحلم أنا صح؟ إنتي هي صح ؟!" وصمت كأنه لم يتكلم إطلاقاً.
صديقتي معالمٌ وجهها، خُربطت.. تغيّرت 180°.. ومع كل كلمة من كلماته كان خوفها يضطرمُ ويستعرّ.. واسرعت بخُطاها نحو... الطبيب المُناوب، أخبرته بتفاصيل الحالة.. وبأن "شكله.. فقد الذاكرة!".

مثلما خَرج صديقي من العناية مُعافىً.. خَرج من المستشفى.. على ما يبدو مُعافى.
بعد وصوله إلى البيت، نامَ كميّت.. واستيقظ في اليوم التالي (عالساعة: 12:23م).. إستيقاظه كان شَرساً، مسعوراً، وفي اثناء نومه العميق ذاك كانت تُدويّ في رأسه أصواتٌ مُبهمة، كأنها تأتي من بعييد.

أختهُ تُوقظه، تضيقُ من نومه الثقيل، تُنادي أمها لتتفاهم مع هذه الجثة..! يرى وجه أخته ابيضا، شاحبا، شروخٌ مُدماةٌ تتوزع في أنحاء وجهها.. وخيط من الدم لم يجف بعد يسيلُ من زاوية فمها.. لكنها تبدو راضية، ويحملونها ليُصلون عليها، يقفُ بين جموع المُصلين،لا يعي شيئاً، ويتذكر ليلةً تبدو الآن.. في هذه اللحظة كأنها حدثت في الأمس.. خبر وفاة أبوه وأمه بحادث مرور، وهُما عائدين من عرسٌ او عزاء او مُجرد عزومة عائلية.. أحس بالعجز كونه لم يُخمّن ذلك!
كان في الثامنة من عمره، وأخته في العاشرة.. مَن اخبرهما بذلك الخبر؟ ولماذا كانا وحيديّن، لو ذهبا لكانا ميتيّن ؟! ؟، "وين أختي..؟" سَئل نفسهُ، وهو ما زال واقفاً بين جموع المُصلين.. 
"آلوو.. وينك؟ تأخرتي؟ رجعت قبلك اليوم؟ شكلك عالقة بأزمة.. ههه"
"هلااا.. هيني بالطريق.. رااجعة.. أزمة وخنقة.. بس أن شاء الله ما بتأخر.. نصّ ساعة وبكون عندك.. لا تتغدا قبل ما اجي.. يلااا سلام"
إنتظر ساعة.. ساعتيّن.. ضاقَ ذرعاً، وكان إتصل بها مِراراً، ولكن لا جواب! 
أخيراً... جاء الرد:" صوت خشخشة.. صوتٌ خشن.. أنت أخو ع...؟" 
إقشعرَّ بدنة، وفَترت أطرافه، وفي أعلى معدته احسّ بلطمةٍ واحدةٍ.. ماكنةٍ.. 
"آآه... خير شوو صار ؟ وين ع.." 
"البقية بحياتك.. إختك.. توفت بحادث الباص على طريق ج.. قبل حوالي ساعة"

ذُهان.. (قصة قصيرة)

كنتُ أمشي بممر مستشفى فارغ، الممر طويـــل ينتهي بباب مُغلق.. شبابيك الممر كانت بيضاء.. كيف أشرح؟ يعني زُجاج الشباك مش أبيض، لأ عادي بس.. اللي ورا الزُجاج يبدو كالثلج والضباب!.
كيف عرفت إنني بمستشفى وكيف دخلت وليش؟ مش عارف!
وقّفت فجأة بدون سبب، عن يميني شُباك غرفة.. عمليات او عناية مُشددة، كنت واقفا انظر مع الشباك.. أرى شخص نايم على السرير داخل الغرفة، وحولهُ طبيب وأربعة أشخاص.. لمّا حدّقت النظر جيداً، رأيتني أنا الشخص النائم على السرير! مع إني واقف عالشباك!
الأشخاص الذين يقفون حول ذلك الشخص، يبدو عليهم القَلق والترقب.. واضح هذا الأمر على وجوههم وحركاتهم.. لم أعرف أيَّ واحد منهم، وهم لم ينتبهوا إليّ عندما "طربقت" على الشُباك، طربقتُ بكلِّ طاقتي وعصبيّتي التي إنبجست مني بشكل مُفاجئ، بعد ما كنت هادئ ورايق! طربقتُ لعلّهم ينتبهون لوجودي!
بعد ما فقدت الأمل، بأنهم سينتبهون لي، تحركت وصرت أبحث عن باب تلك الغرفة.. اللعينة!
وجدت الباب، وقد كان مُقفلاً.. طرقت عليه بلُطف.. طق.. طق..!
إختفى كلّ شيء، أقصد عصبيّتي وحَنقي المسعور، وهدفي في الدخول او لفت انتباههم.. عُدت للسير في ذلك الممر ووصلت للباب المُغلق في آخر الممر.. فتحته، ووجدتني خارج.. المُستشفى! الأمر بهذه السهولة!!
بدأت أبحث عن دلائل/علامات، تدلُّ على إن المكان الذي خرجتُ منه للتو "مُستشفى"، مثلا؛ لافتةٌ، مُمرضين، أطباء، مُراجعين وأُناس يسيرون بإزدحام.. لم أعثر على شيء، فقط فراغ، وهدوء غريب ومُستفز..! رأسي كان فارغٌ/مُمتلئ!
الفراغ كان بمُقدمة الرأس، والامتلاء كان بمُحاذاة الأذنين..!! وكنت أحس كذلك بإنكماش يبدأ من أسفل ذقني نزولاً حتى ساقيّ!!
-أسمع.. هيه.. نسيت شو؟
-شوو؟
-إنت اللي..  أنا وين؟ أقصد هذا المبنى مستشفى؟ 
ضَحك كأنني تحدثت إليه بنُكتة! وتصاغرت عيناه، وأبتسم فمه من جهة. اليمين.. وحرّك فكيّه، ليتحدث.. تحدّث كثيرا.. لم أفهم كلمةً واحدة.. ولا كلمة! الّا:"آآآه مُستشفى، شكلك من المرضى.. هاه.. الله يشفيك ويعافينا".

الاثنين، 3 سبتمبر 2018

عاصفةٌ هادئة..! (قصة قصيرة)

هيَ أعصابها تِلفن، ووجهها ذَبل، وهي تفكر بالكيفية؟
"استناه يُبادر.. يخطو الخطوة الأولى.. يحكي الكلمة الأولى.. أنا الطرف المُتلقي/المُستهدف اللي ما يزبط يُلقي او يَستهدف! وهو عبارة عن "حيط".. ليش مطنشني هيك؟"، هكذا حدّثت نفسها صاحبتنا.. وجاءها صوتٌ مألوف:"لو سمحتي ؟ إنتي مسكّرة الطريق.." "آآهه آسفة.. مش منتبهة"، أصابها الوَهن، وتحولت حرارة جسدها لبرودة.. لصقيع. 
****
قالت:"إنت حيط!!"
سأل الدكتور مُستفهماً:"شو حكيتي؟ ما سمعتك كويس ؟ خلونااا نسمع رأي زميلتكم "رغد" بموضوع العقد الإجتماعي.. إتفضلي!"
حكّت رأسها وهي تتلفت بإتجاه الطلبة الذي صوّبوا (جميعهم) أنظارهم إليها:"دكتور.. أنا.. لا.. قـ..صـ.. قصدي، لو سمحت.. ممكن.. مش.. خلص.. دكتو..ر ضرروووري، ممكن أطلع ضررووري.."، وطلعت بدون ما تستنى جواب الدكتور.. وضعها كان "مُخربط" عالآخر..
وحوارها مع الدكتور أزّم الوضع أشدُّ مما كان عليه.. 
خرجت دون أن تعرف، إلى أين تذهب وماذا عليها أن تفعل؟، وجدته جالساً، على مقعد تحت شجرة قد جفّت منذُ زمن، حدّثت نفسها:"شجرة قاعدة تحت شجرة.. سُبحان الله"، لم ينتبه لوجودها إطلاقاً.. وهي بالطبع لم تقم بأيّ حركة للفت انتباه.. الشجرة!.

بعد أيام، كانت ما زالت تُعاني من.. الحُمّى والصقيع وعدم التركيز.. عبارةً عن "إضطراب" يَهدأ حيناً ويخمد كأنه لم يكن، ومن ثم يعود إليها بشكل مُفاجئ.. عنيف! لا تعرف السبب!! حتى مُحاولاتها للفتِ انتباه الشجرة؟ لم تكن سوى.. شيء لم تُفكر به كثيراً ولم يستحوذ على اهتمامها اصلاً؟ 
قوةٌ وطاقة تدفعها، لفعل، لأمر، وعندما يستعصي الفعل ويبدو الأمر مُستحيلا.. تزدادُ مُحاولاتها واندفاعاتها.. يَعقبُ ذلك خمودٌ شديد، وحزنٌ ينبجسُ من أعماقها.. يُقيّدها عن أقلّ جهد.. وتندثرُ تلك الإندفاعات والافكار وكل شيء تماماً.. لتجد نفسها في فراغ صارخٌ فيها!!
هي فتاةٌ عشرينية، عقلها يضجّ بأفكار ورؤى وانتصارات تترقبها...
ينتابها فرحٌ يطغى شيئا فشيئا، ودائما كنتيجةٍ حتميةٍ لذلك، تجدُ نفسها وقد غرقت تماماً في لُجة الحزن والكئابة المَقيتة!!
ذات يوم إستيقظت، والفرح والسعادة الغامرة تحتلها تماماً... قبل أن تنام ليلتها الفائتة، كانت ترزح تحت وطأة حُزن شديد وتفكير مُضطرب، وساهم في زيادة تلك المشاعر تأخرها في السهر، وعندما دخلت سريرها وهي مُتعبة.. مهدودة الحيل.. طاقةٌ من أعماقها.. ايقظت خلايا رأسها فطارَ النوم بعيداً!
غالبا تلك "الطاقة"، تأتي مع أفكار لا تستطيع كبح جماحها.. فكرةً تتلو الفكرة.. لا تنتهي الأولى لتبدأ الثانية.. وقامت من الفراش.. وكانت قد نسيّت منذ زمن "أمر الشجرة".. 
لكنها في هذا الصباح، خرجت من بيتها، كأنها ترتفعُ عن الأرض.. كأنها محمولةٌ فوق السحاب.. رأسها هادئ.. باتت الآن تُدرك بأن "الخمود" آتٍ بعد هذا الإحساس الجميل، ليرميها مُجدداً في وهدةِ اليأس والكئآبة والإحباط! ولكن ما العمل ؟
دهستها سيارة أثناء عبورها للطريق، وقبل العبور راودتها فكرة "الموت دهساً"، رأت في رأسها، أحداً ما يرتطمُ بسيارة.. تُشاهدها من خلال عينيها!
تذكرت بأنها ما زالت واقفة! يجب عليها أن تعبر للرصيف الآخر! لا وجود لمعبر أو جسر او نفق للمُشاة؟ العبور بحد ذاته مُغامرة.. مَشت كأن قوةً تدفعها للأمام، كأن عقلها فقد سيطرته على حركة أطرافها.. صوتُ إنفجار سَمعت.. ارتطام شيءٍ صُلبٍ بها.. من ثم "إنقذافها" وسائلٌ ساخن يسيلُ على وجهها، وألمٌ من شدته لم تقدر على.. الصراخ، الكلام، النظر، السمع، وصفيرٌ يطنُّ بإذنها اليسرى، وظلامٌ دامس.. يتخلله أصواتٌ مُبهمةٌ.. مُفككة.