الأحد، 25 نوفمبر 2018

عاجزٌ تماماً. وكُلما حاولت جمع شتات أفكاري تزدادُ حيرتي إستعاراً ؟ ما الذي ألمَّ بي ؟ لا أعلم...
ما يُعزيني فقط هو إمتلاكي القُدرة على الوحدة ورغبتي الجامحة-الدائمة للإنعزال والابتعاد عن ضجيج الحياة وإزعاجها..!
ولكن؛ حسناً أنا أشعر بأنني أتشظى.. او كوصفٍ أدق أنا أسمع وَقع تحطمي ولا أملك سوى الإستماع، وأُذكر نفسي بإمكانية إستمتاعي لسماع تحطمي على الأقل..!

هل الحياة، أو لحظة الآن دائماً صعبة/سيئة والأجمل هو الذي ذهب أو الذي نأمل منه أن يأتي ؟
كل البدايات جميلة... كل الصباحات جميلة، وكل مساءٍ حزين. والليلُ صاحب الوحدانيين والمُنعزلين، الذين يُناجون كل شيء إلّا البشر..!
البشر، نحن الذين نملك في رؤوسنا مصدر عذابنا الوحيد ! ونحيا وهم التفوّق، ونحزن كثيراً لموت أحدنا ! هل نحزن أو حزّنا، لجفاف شجرة، او موت قطّة او كلب او سمكة ؟؟ وحدنا نستحق الحياة، او على الأقل نحزن ونأسف لإنتهاكها.. إنتهاك حياتنا، ولو بفعلٍ ربانيّ او بفعلنا!

حسناً، لم يعد بإمكاني مواصلة الكتابة.. مع أنني لم أكتب ما أُريد أو لم أستطع صياغة ما في رأسي من أفكار تفتعل ضجيجاً (مُؤلماً) في سجنها... في رأسي!
ليلة سعيدة للكئيبين المُنهكين، تصبحون على واقع جميل مهما كان سيئاً.. وصباح لا يحتاج لأمنيات ليكون صباحاً سعيداً !

الخميس، 22 نوفمبر 2018

كان يقف بمُحاذاة الباب الضخم والمفتوح دائماً.
يقفُ ساهماً وكشجرةٍ باسقةٍ إنحنت مع مرور الوقت، بدا كاهلهُ الذي إنحنى وتقوّس قليلاً. 
هو حارسٌ لهذه البلدة التي أصبحت مؤخراً غريبة ومُوحشة بشكلٍ لا يُصدق، يحرسها منذُ ثلاثةِ عقود. 

في الليل، وبعد إنتشار الهدوء في الأرجاء، يُشعل النار في سطل زيت مُثقّب بشكل طولي، ويجلس خارج كوخه ليحرس بلدةً نامت بعد يومٍ شاق!، 
في الليل ينامُ بشكل مُتقطع، وإن أردنا الحقيقة هو لا ينام ولو أغمض جفنيّه، وعَلا صوتُ شخيره المُتحشرج، 
وحول مائدة العشاء، تحلّقت عائلةُ سعيد الصغيرة، زوجته وإبنته وولديّة، سعيد يكاد ينغمس في النوم، والليل في أولهُ، وبعد أقلّ من ساعة سعيد نائمٌ بعُنف، عنيفٌ في نومه لأنه أمضى يومهُ حمّالاً للاثقال في سوق البلدة المُزدحم، 
كانَ يسير بإتجاه المسجد القريب، عندما لَمح شبحها. توقف، وتلّفت في كلّ الاتجاهات، قبل أن يحلقَ وراء هيئتها المُدبرة، ترتدي سواداً وتضعُ فوق رأسها دفتر... وتجري كأنها تهرب من وحش، 
"الصلاةُ خيّرٌ من النوم..."، وتنبّه من غفوته اللذيدة، واستسلم لخدر الناعسين، وقامَ مُتثاقلاً ليتوضأ... الجوّ بارد بل قارس، وتخيّل إستحالة انتهاء اللحظة، وبدأ يملأ إبريق الوضوء من ماء حنفية السبيل، 

عشرون عاماً.. بل ثلاثون. ما الفرق ؟ قبل... عام كُنت شاباً وهاانا أكاد أسقط في حفرتي المُظلمة ! عشرون عاماً او ثلاثين، منذ كنت اربعينيا يُعاني من ضغط الدم وأعراض الروماتيزم، واليوم لا أعاني فقط من مرض خبيث...!
ما الفرق، بين ولادتي واحتضاري القريب !، 
وأمسك عصاه، ومضى نحو بيته لينام قليلاً. 
كم نموت في حياتنا ؟ عفواً، كم ننام ؟ 

وصلا مُفترق طُرق، هي توقفت عن الجري أو الهرب، وهو كذلك توقف على بُعد سبعة أمتار منها ! إلتفتت والتقت عيناهما، ولم يلتقيا بعد ذلك أبداً؛ هو ذهب للقتال في جبهات الشمال، وهي تزوجت من إبن عمها العائد من بلاد الواق واق.! سبعة أمتار، كسبعة أعوام عاد بعدها الجُندي، يحمل فوق كاهله عبء الحياة وجدواها وغايتها ومُنتهاها، عادَ يائساً من كل شيء، فقد تلاشى إيمانهُ تماماً، وتصحّرت أرضه، وصار البردُ ساكناً فيه لا يَبرحهُ، هل بدأ عذابه يوم لحاقه بهيئة الهاربةُ منه ؟ لو أنه لم يلحق هل كان سيطمئن قلبهُ كالعادة عندما يخرج من باب المسجد ؟ لو أنهُ...

كخطيئةٍ أرتكبها داعرٍ أو عاهرة، تبدو الحياة.

في غَمرة إنشغاله المحموم، كانت الأفكار التي يُجاهد حَرفياً في إبعادها عن وعيه، تُحاولُ إحتلالهُ وإسقاطه في وحلها اللزج والعميق. 
أفكارٌ مُتنوعة، ولكنها تتشابه... تتشابه في صعوبتها واشياءٌ آخرى لم يُدركها العقل البشريُّ بعد!. 

أسئلةُ الـ "لماذا ؟" هي التي ولّدت قَلقنا الوجوديّ وبحثنا عن أجوبة حقيقية جعلنا نُبحر في مُحيط اليأس بلا قارب، وكان وما زال سبب بؤسنا، هو الأمل بالوصول لميناء او شاطئ نجاتنا ! 

الساعةٌ تعمل، والأصوات بعيدة لكنها مُزعجة... كلّ الأصوات يُمكن تحمّلها إلا أصوات البشر البعيدين والقريبين أيضا... والهدوء الدائم ليسَ إلا عاصفةٌ هوجاء تقترب... وأنا أهذي، وعربيدٌ ما ينتشي فوق جُثة إمرأةٍ كانت قبل قليل تتأوه وجعاً أو شَبقاً...!

أنا أهذي، وطفلٌ يموتُ جوعا، هكذا ببساطة، وآخر بسهولة يموت لأنه لم يجد علاجاً أو وطن يحتضنهُ ويُخفف من أوجاعه... هكذا ببساطة !
تعتقد بأن الحياة قد تُنصفك، تُعاملك بما تستحق، وتنسى او لا تعلم بأن الحياة، هكذا ببساطة مُجرد "خطيئة" أُرتكبت بشكل عادي وبلا أدنى شعور بذنب..!

الساعةُ تعمل. وأنا ما زلت أهذي... والعطش يشلُّ اركاني وأنا جائعٌ جداً، وأعلم بأنني لن أشبع...!

وأعلم بأنني مُجرمٌ بشكلٍ او بآخر. 
لماذا لا تموت الساعات ؟ 
ولماذا بتُّ أكره إنسانيتيّ ؟ وأكره أن أرى جرواً مات ولم تُقم عليه أمهُ حِداداً وجنازة ! هل الآباء (الحيوانات) لا يملكون أدنى مسؤولية في العناية بأبنائهم ! أم أن الأمر بسيط... وأنا أهذي فقط ؟

في الخارج الأمر مُختلفٌ كُلياً. أنت هُنا في عالمٍ آخر، عالمٌ خاص. تسلل إلى الخارج، وأقتلع بعض الأغصان النضرة، وأشعل أوراق اللوز الخضراء، ونمّ على صخرةٍ... النار لونها أزرق سماويّ ! وسماء النهار الوردية ملئيةً بالنجوم الضخمة والصغيرة جداً. 
والشمس حمراء، والقمر أخضر داكن. والتراب لونهُ رماديّ... والنهر ذو اللون الأصفر لا يجري، والصحراء تلوحُ في الأفق، وورائها يبدو الجبل الأسود شامخاً، كإلهٍ ما... وأنت تستيقظ للتو. تُمسك هاتف «الصارخ» لتطفئه او تُحطمه... تُسكته وتضعه جانباً. تُغمض عينيك وتتخيل عودتك للنوم... تقوم في الحال. تترنح في مشيتك. تكاد تسقط ولا تسقط بل تدخل الحمام لتخرج بعد دقيقتين وقد غسّلت وجهك جيداً. عيناك بل وجهك كلّهُ مُتورم.

ترتدي ملابسك العمليّة. وتنسى وضع القليل من العطر، وتتذكر جوع بطنك، ولا تملك وقتاً، لإختلاس -أي شيء يُمكن أكله-. بالفعل منذ خمس دقائق تنتظر قدوم الباص. وها أنت تجلس في المقعد، وتهتز مع اهتزاز المركبة. ذهنك صافٍ وعيناك ذابلتان. وأنت ناقمٌ وغاضب، لا تعرف على مَن بالضبط ؟!

وكسجين مُقيد، ويجلس في حَضرة مُحقق حقير... لا تملك سوى الاستسلام، لسماع برامج الصباح المُقرفة وإعلانات المذياع المُبتذلة، وروائح الناس من حَولك تُصفعك حيناً وتُدغدك حيناً آخر... وتصل إلى وجهتك، مُجهداً، تنزل كمولود او كسجين تم الإفراج عنه... وترى بأن كل شيء يبدو غريباً... غريباً جداً. 


الثلاثاء، 20 نوفمبر 2018

كخطيئةٍ أرتكبها داعرٍ أو عاهرة، تبدو الحياة.

في غَمرة إنشغاله المحموم، كانت الأفكار التي يُجاهد حَرفياً في إبعادها عن وعيه، تُحاولُ إحتلالهُ وإسقاطه في وحلها اللزج والعميق.
أفكارٌ مُتنوعة، ولكنها تتشابه... تتشابه في صعوبتها واشياءٌ آخرى لم يُدركها العقل البشريُّ بعد!.

أسئلةُ الـ "لماذا ؟" هي التي ولّدت قَلقنا الوجوديّ وبحثنا عن أجوبة حقيقية جعلنا نُبحر في مُحيط اليأس بلا قارب، وكان وما زال سبب بؤسنا، هو الأمل بالوصول لميناء او شاطئ نجاتنا !

الساعةٌ تعمل، والأصوات بعيدة لكنها مُزعجة... كلّ الأصوات يُمكن تحمّلها إلا أصوات البشر البعيدين والقريبين أيضا... والهدوء الدائم ليسَ إلا عاصفةٌ هوجاء تقترب... وأنا أهذي، وعربيدٌ ما ينتشي فوق جُثة إمرأةٍ كانت قبل قليل تتأوه وجعاً أو شَبقاً...!

أنا أهذي، وطفلٌ يموتُ جوعا، هكذا ببساطة، وآخر بسهولة يموت لأنه لم يجد علاجاً أو وطن يحتضنهُ ويُخفف من أوجاعه... هكذا ببساطة !
تعتقد بأن الحياة قد تُنصفك، تُعاملك بما تستحق، وتنسى او لا تعلم بأن الحياة، هكذا ببساطة مُجرد "خطيئة" أُرتكبت بشكل عادي وبلا أدنى شعور بذنب..!

الساعةُ تعمل. وأنا ما زلت أهذي... والعطش يشلُّ اركاني وأنا جائعٌ جداً، وأعلم بأنني لن أشبع...!

وأعلم بأنني مُجرمٌ بشكلٍ او بآخر.
لماذا لا تموت الساعات ؟
ولماذا بتُّ أكره إنسانيتيّ ؟ وأكره أن أرى جرواً مات ولم تُقم عليه أمهُ حِداداً وجنازة ! هل الآباء (الحيوانات) لا يملكون أدنى مسؤولية في العناية بأبنائهم ! أم أن الأمر بسيط... وأنا أهذي فقط ؟

في الخارج الأمر مُختلفٌ كُلياً. أنت هُنا في عالمٍ آخر، عالمٌ خاص. تسلل إلى الخارج، وأقتلع بعض الأغصان النضرة، وأشعل أوراق اللوز الخضراء، ونمّ على صخرةٍ... النار لونها أزرق سماويّ ! وسماء النهار الوردية ملئيةً بالنجوم الضخمة والصغيرة جداً.
والشمس حمراء، والقمر أخضر داكن. والتراب لونهُ رماديّ... والنهر ذو اللون الأصفر لا يجري، والصحراء تلوحُ في الأفق، وورائها يبدو الجبل الأسود شامخاً، كإلهٍ ما... وأنت تستيقظ للتو. تُمسك هاتف «الصارخ» لتطفئه او تُحطمه... تُسكته وتضعه جانباً. تُغمض عينيك وتتخيل عودتك للنوم... تقوم في الحال. تترنح في مشيتك. تكاد تسقط ولا تسقط بل تدخل الحمام لتخرج بعد دقيقتين وقد غسّلت وجهك جيداً. عيناك بل وجهك كلّهُ مُتورم.

ترتدي ملابسك العمليّة. وتنسى وضع القليل من العطر، وتتذكر جوع بطنك، ولا تملك وقتاً، لإختلاس -أي شيء يُمكن أكله-. بالفعل منذ خمس دقائق تنتظر قدوم الباص. وها أنت تجلس في المقعد، وتهتز مع اهتزاز المركبة. ذهنك صافٍ وعيناك ذابلتان. وأنت ناقمٌ وغاضب، لا تعرف على مَن بالضبط ؟!
وكسجين مُقيد، ويجلس في حَضرة مُحقق حقير... لا تملك سوى الاستسلام، لسماع برامج الصباح المُقرفة وإعلانات المذياع المُبتذلة، وروائح الناس من حَولك تُصفعك حيناً وتُدغدك حيناً آخر... وتصل إلى وجهتك، مُجهداً، تنزل كمولود او كسجين تم الإفراج عنه... وترى بأن كل شيء يبدو غريباً... غريباً جداً.


الاثنين، 19 نوفمبر 2018

صديقي الله... أنت غير موجود بشكل حقيقي لأضمن سماعك لي او قراءتك لكلماتي هذه... أنت لست صديقي لأنني لا أعرفك جيداً، لنُصبح أصدقاء. ولستَ عزيزي ولا أستخدم كلمة "سيّدي" في حديثي مع الآخرين أبدا... اوووه لماذا كل هذا التبرير..
الله... أنت الذي أعرفك ولا أعرفك، هُنا أنت مسؤول عن كل شيء حَدث ويَحدُث وسيحدث، الناس هُنا يخافون منك جداً... هل أنت مُرعب لهذه الدرجة ؟ كيف أدخلت هذا الرعب في نفوسهم ؟؟
مَن أُحدّث أنا ؟ أنا لا أهذي ولا اُعاني من ذُهان افقدني صوابي وجعلني أرى ما هو غير موجود !
حسناً... الله هو الموجود اللامرئي، لذلك حديثي معهُ حقيقيّ، وعندما أحدثه فأنا أتحدث لموجود يُنصتّ ويَعي، يا الله هُنا يتحدثون عنك كثيراً... كثيراً جداً، بل يتحدثون بلسانك... مثلا هل أنت قلت: كهيعص او وانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع او القارعة... ما القارعة ؟ وما أدراك ما القارعة ؟ هل أنت من كَتب هذا السجع والحشو المُفرط في النصّ... الشعري؟ 
يا الله أنا أكرهك بقدر حُبي لك، أنا أعرفك جيدا بل ولم أتخيل في لحظة بأنني قد لا أؤمن بوجودك...! أين أنت ؟ الجميع هُنا يخافونك ويُحبونك وأنت لم تظهر سوى في الكتب والمعابد والأحلام !
كيف نعرف شيء ونحن لا نعرفه ؟ كيف نؤمن باللاشيء ؟ 
يا الله، يقولون بأنك الخالق، والبارئ، والمُصور، وبأن لك أسماء... أسماء حُسنى عددها تسعاً وتسعون! هل كنت عاجزاً عن اكمالها مئة أسم ! لا تزعل إنني أُمازحك، ههه أنت تُعاقب بالحرق والتعذيب إن زَعِلتْ..! وتُجازي المؤمنين بوجودك بجِنان فيها كل شيء.. تحديداً أنهار من خمر ولبن وطبعا ماء زُلال ونساء فاتنات ووِلدان مُخلدون، هل جنانك مواخير ؟؟

هل كل الذي تريده هو إيماننا بكَ... آمنا بك ما الذي تغيّر ؟ هل خلقت العالم والكون أجمع سواءً في ستة أيام او عشرة او لحظة، من أجل أن تكون سيداً لمليارات العبيد !! هل أنت ساديٌّ ومهووس لهذه الدرجة ؟؟ مَن أًحدّث ؟ لا يوجد من حَولي سوى جُدران وأرائك وصوت تلفاز يأتي من الغرفة المُجاورة... أين أنت يا الله هل أنت في السماء كما يقولون ام أنت مُجرد وهمٌ لذيذ يسكن الرؤوس ؟؟

الاثنين، 12 نوفمبر 2018

كلّ الأماكن غريبة وباردة، وكلّ الوجوة رمادية وقاتمة.. لماذا كُلّ هذا الإكتظاظ والسعي ؟؟

عينيّ رماديتان وفيهما سوادٌ قاتم، والغُربة تسكنني وتُحيلُني جليداً لا يذوب...!

لا أرضى بإنسانيتي الحيوانية، ولا أقبل فوضى النظام الرتيب...! لذلك لا أحيا مُطمئناً في الإكتظاظ والسعي مع الساعين !!

لستُ أنا مَن كَتب، أنا عدة أُناس في جسم واحد! وكلّ حين اتفاجئ بجديد. 
يدي ترتجف، ويملكني خجلٌ رهيب، وأنا جسورٌ ومُتمرد وعبد وقائد ومُنهزم يسعى جاهدا للإنتصار !
أنا... محضُ طفلٍ يكره العالم كُلما نضج ! بالمُناسبة «نضوجاتي» المُتتالية لا تعني إطلاقاً نهاية طفولتي... تعني بأنني طفلٌ يهرم، وما أقسى الطفولة في عالم مليء بالكبار والبالغين !!

كانت في كل ليلة، عندما تخلد للفراش، تتأمل الصورة وتراودها رغبةٌ جامحة في حرق الهاتف الذي يحتوي تلك الصورة، لكي تتخلص من عبء ثقيل ترزح تحت وطأته! لا تحرقه ولا حتى تُغلقه او تحذف تلك الصورة، تضع الهاتف بجانبها وتتغطى بلحافها وتنام بعد تفكير طويل...!

وقد كان ينامُ منذ ساعة تقريباً، ينامُ كميت! فهو لم ينم بشكل حقيقي منذ يومين، وها هو يدفع الثمن. يعودُ من العمل المُضني الذي يستنزف ساعات نهارة وبضعة ساعاتٍ من ليله، وقد أُنهك تماماً ولا يملك سوى الاستسلام !

استسلمت المدينة، ورفعة راياتها البيضاء. وقبل المغيب كانت الرايات قد تلوّنت بالأحمر القانيّ.. والشوارع باتت مهجورة وكئيبة ومُظلمة... وفيها لونٌ أشبه بالرماد لا يُرى لكنهُ يُحسّ بإحساسٍ غامضٍ مُريب!، 

عادت وقد تغيّر شكل الحي، فعمارة الإسكان باتت مهجورة ومُدمرة، ومُزينة بثقوبٍ عميقة. والأشجار إختفت، والشارع ... الشارع بات مأوى للكلاب الضالة...

الجُثث... الجُثث لا تُدفن، هل تغيّرت العادات ؟ 
ولم يعد هُناك فرق بين جُثة كلب مات مدهوساً، وتم التعاطف معه بإلقاء جثمانه بجانب الطريق، وبين جثة إنسان لم يتعاطف أحد معها لتُلقى بجانب الطريق... يا للعار !!

وهي تتهادى في الطريق الفارغ المُظلم، عائدةً من بيت آخر زبائنها، وتحمل في حقيبتها مئتي دولار وزُجاجة عطر وكيس مليء بالواقيات الذكرية وعدد من الجوارب الطويلة الشفافة... وهوية شخصية وصورة لطفلة تبتسم. 
كان رأسها مليءٌ بالضجيج وفي عينيها أثقال ودموع حارة... هي علامات الإفراط في شُرب الكحول، وفي أنفها رائحةٌ نافذة ممزوجة بروائح عديدة ومُتناقضة، أبرزها رائحة المنيّ الذي قُذف على وجهها عدة مرات في هذه الليلة...! وصلت حيث شقتها، خلعت حذائها ذو الكعب العالي، ودون أن تُبدل ملابسها، رمت بجسدها فوق سريرها الذي أنَّ من تحتها وراحت في غياهب النوم...!

في جُنح الظلام، كان الليلُ ساكناً والمكان بدا وكأنه توقف عن الوجود، في تلك اللحظات كان أحدهم يُحاول بيأسٍ شديد، إيجاد وجبة طعام... لا بل بقايا أي وجبة شبع صاحبها قبل إتمامها ولم يضعها في سلة المُهملات، وَجد كيساً فيهِ بقايا فطيرة بيتزا وعلبة عصير فارغة، أكل البقايا ورمى الكيس في سلة المُهملات، وراح يبحث عن مكان مُناسب للنوم، 

عندما صَعد للحافلة، وجلس في المقعد الفردي، بالقرب من الباب، تنفسّ الصعداء، واوشك على تقبيل رأس السائق... لأنه منذ ثلث الساعة وهو ينتظر قدوم أي شيء يُقلّه... ليصل الجامعة ليحضر المُحاضرة... غير المُهمة، أزمة المرور الصباحية، تُخبر الجميع بأن المشي او الركض نحو الوجهة خيرٌ من إمتطاء الحافلات...!