الثلاثاء، 20 أغسطس 2019

إعزف لي... نشازًا

إعزف لي الموسيقى يا رفيق، ودعني والنجومُ أمامي ثابتات والقمرُ شرقيّنا جاء مُتأخرًا،
إعزف لي ولا تُغني لا تقلّ شيئًا... إعزف ودعني والنجوم... والليلُ والضوء الشحيح من مصباح بعيد، يُنير المكان، ولكن المكان مُعتم وأرى أُصص الأزهار البعيدة، 
إعزف لي يا رفيق... واللعنةُ على كل شيء، وعلينا لعنة نحن الجالسون هُنا، 
إعزف لي نشازًا... لا تُحاول إتقان اللحن، وأنا لن أتحدث بما يجولُ في نفسي... لن أقول لك بأني "حزينٌ جدًا"! لذلك إعزف ولا تُبالي.. لا تُبالي بكل شيء... 
***
تريّث قليلًا... وأخبرني عنك، 
يا رفيق لن ينالوا من جوهرك ولن يلوّنوك بألوانهم الكريهة، صدّقني أعزُّ ما تملك جوهرك لذلك، دعهم وأحفظ جوهرك، 
إحمي تلك القطعة المخفية منك، إحمها وراعها ودافع عنها، ومُتّ دونها... أنت شهيد، شهيدٌ في زمن قلّ فيه الشهداء وصار الموت عادةً إجتماعية سخيفة،
سيرحلون تباعًا ويدعوك وأنت... وستذهب باحثًا عنك الذي ضاع أو أضعتهُ، في تماهيك مع الخارج، ورحت تبحث في متاهات، وبعد بحث مُرهق وجدتَ بعضك، وفقدت مُعظمك، وبتَّ أجزاء قليلة يبدو عليها الإلتصاق الجديد ومليء بالثغرات... مليء بالفراغات، وتؤلمك تلك الفراغات جدًا، وتؤلمك أكثر مشاهد تراها من بعيد... تراها بشكل جديد، وترى كمّ تغيّرت دون أن تعلم!،
إعزف لي نشازًا جديدًا، لا... لا تُحاول تجميل العزف أنقر الأوتار بلا نظام بلا ترتيب، ودعني أخبرك بصمت، إقرأ من صمتي كلماتي: لا يعنيني الخارج، في الخارج "لا حياةٌ" مُستمرة، في الخارج تكرار مُستمر ومُمل... وعيون زائغة وقسوة مريرة، وتباهي باللاشيء...
في الخارج خراء كثير، وخواء كبير، وأنا يا صديقي ملعونٌ بالتركيز والتحليل وتساؤل مُلّح حول الجدوى والقيمة والغاية وماذا بعد؟
لا تتوقف عن العزف، ودع صمتنا يتحدث عن: هذا الليل الطويل والمُعتم والبدر الخجول والنجوم البعيدات... عن وطن نكرهه بقدر عشقنا لهُ، عن أُناسٍ رحلوا وتركونا نجترّ الذكريات البعيدة ونُلامس بقاياهم... كم نحنُ حمقى يا رفيق؟ 
ففي عالمنا هذا، الويلُ للمُستيقظ للذي يَعي افعالهُ ويُدرك الواقع... "واقعٌ" واقعنا يا رفيق، ولكننا نأبى الإعتراف والتسليم بالأمر الواقع...! 
نعيشُ أوهامًا... وهل لنا سلوى سوى الوهم اللذيذ، وعذابٌ هو الإستيقاظ من وهمٍ لذيذ...!
لا تعنيني مخاوفهم وعُقدهم، وهُم قطيعٌ من الحمقى والمُغفلين والمُدّعين... وقلوبهم تنبضُ بالموت، وعيونهم لا تتوقف أمام وردة أو مشهد غروب أو شروق، عيونهم تبحثُ عن شيء ما ليس موجود، وعقولهم مُمتلئة بالفراغ والسُخف والأحكام المُسبقة والصور النمطية... ويخافون القُبل والحُب والحُضن والله والغد والأمس وبعد قليل... يخافون من كل شيء، ويموتون ألف مرة، ويعيشون كثيرًا، هل الملل يعرفهم؟ أم أنهم يهربون منه دائمًا ويجدونهُ في كل شيء، لذلك تجدهم نوّامون ويكرهون الجلوس والمشي وحدهم، هل انا أكرههم؟ انا أكرههم كقطيع ويُحزونني أفرادًا... ولا يعنيني أمرهم! 






أزمة وطن 3(تربية وتعليم)

أزمة الفرد هي صورة مُصّغرة لأزمة الوطن، الفرد الذي يُعاني في مراحل حياته المُختلفة من شتّى أنواع الأزمات (النفسية، الاقتصادية، الفكرية...) هو والأفراد الآخرين (المأزومين بالضرورة) هُم الوطن...
وللفرد في بلادنا وضع يستحق الدراسة والتحليل، وهو الذي يعيش في واقع مليء... بالفراغ والبطالة وإنعدام الأمن المجتمعي والوظيفي وهشاشة الفِكر وفُقدان الشغف والرغبة وتفشي العصبية والمادية والتنافس المُضني ومواكبة التكنولوجيا الحديثة مما يُؤدي للإنعزال الاجتماعي وتحوّل الفرد لشخص إفتراضي موسوس بالمثالية ونظرة الآخرين الإفتراضيين... الخ
يُولد الفرد ليجد نفسهُ في أسرة تتوقع منه الكثير ويفقتد للرعاية المعنوية، فمسؤولية الأبوين تتعلق بالماديات(التغذية... اللباس والمصروف...الخ)، ويكبر الصغير مُحاولًا إرضاء توقعات الوالدين مُنافسًا أقرانه في أن يكون أفضلهم وأكثرهم نجاحًا وأحسنهم تربية وأخلاق... وتنافس الصغار هو تنافس كبار، فالأب والأم يزرعون في وجدان صغيرهم الغيرة والحَسد وحتى البغضاء والكراهية... ولستُ هُنا مُبالغًا، ولا أقول بعدم وجود تربية جيدة... ولكن ويا للأسف ومع أن البيوت أسرار فنحن نلمس هذا الواقع ونتحسسهُ في حياتنا اليومية مع وجود إختلافات ثانوية، أما بشكل عام فالتربية الأسرية لدينا هي جذور أزمتنا الوطنية، والأزمة موجودة بل وظاهرة بقوّة والسبب ربما ما ذكرته بشكل سطحي قبل قليل،
ومن المدرسة تبدأ مرحلة جديدة من تشكيل الطفل وصنعهُ، المدرسة الحكومية التي يُمارس فيها الأساتذة خبراتهم العلمية التي أكتسبوها من تعليم جامعي سيء بشكل عام أيضاً...
المناهج الدراسية تُعزز روح التنافسية بين الأقران في حيازة المركز الأول والعلامات المُرتفعة، والجُهد يتمحور في حفظ الدروس وحلّ الواجبات المدرسية... حفظ الكلمات وإفراغها في ورق الامتحانات وإنتظار النتيجة النهائية المُرتفعة وإلا فالطالب قصّر في الحفظ والتركيز... ويا له من تقصير، في أحسن الأحوال يتم توبيخهُ وزجرة وهُناك من يُعاقب الطالب الطفل بعقوبات قاسية وعنيفة، وكل هذا لأن ابن فلان "أشطر" وإبن علّان "يفهم وذكي.."!،
العملية التربوية والتعليمية لدينا تُعاني من حالة موت سريري، فالمناهج تلقينية ومُملة ومليئة بالحشو الفارغ، والحصة الدراسية غالبًا ما تكون أشبه بسجن مُؤقت والفرج عندما يرن الجرس..
مواد دراسية تتكرر في مراحل المدرسة المختلفة، والإمتياز لمن يحفظ أكثر، وتمتد الأزمة للدراسة العُليا؛ ولنأخذ مرحلة البكالوريوس على سبيل المثال، ففي هذه المرحلة التي تلي المدرسة وضجرها القاتل، والتي تبدأ عند نهاية "التوجيهي" وهو حالة طوارئ وضغط نفسي وعَصبي يعانيها الطالب خلال عام، وتُحدد أهليّته في دخول الجامعة أم لا... وتخضع لسياسة وزارة التربية وتعاملها مع هذه السنة بين التشديد والتراخي، في مرحلة البكالوريوس والتي قد يدخلها الطالب وفق خيارات الاهل وتقديره في التوجيهي، ليدرس تخصص ما...
وما بين الرغبة الذاتية ورغبة العائلة والمجتمع أحيانًا، يجد الطالب نفسه في ذات الدائرة، ولكنه الآن في دائرة أوسع وأضيق... كيف؟
الجامعات تحولنّ لشركات ربحية، والقبول الجامعي بنوعيه التنافسي والموازي يُحتّم على الطالب أن يختار تخصصه وفق المُعدل والقدرة المادية ويا لحسن الحظ لو انه يستطيع الدراسة بمنحة أو "مكرمة"!،
وفي الجامعة يتحول الأستاذ لدكتور، ويبدأ التميّز وقطع الساعات بجهد الحفظ والتركيز بما يُلقنه الدكتور في كل محاضرة، والتنافس في سرعة التخرج وقطع الساعات... ويعيش الطالب قَلق البطالة المُستقبلية مع القلق الآنيّ من مصروفاته اليومية وتماهيه مع الطلاب والرغبة المُلحة في إثبات الذات ومواجهة مزاجيات الأساتذة الجامعيين ونظرتهم الدونية للطالب،
الطالب الذي يفتقد في حياته لمعنى جوهري غير مادي، فكل ما حوله مادي وسطحي، والتحزبات العشائرية وعقدة الجنس الآخر وإستبداد عمادات الشؤون الطلابية وقمع أي فكر جديد أو مُعارض للسلطة، وتفشّي المصالح الشخصية والتمحور حول الأنا وفقدان الذاتية والثقة بالنفس، كلها ظواهر حية تُشكل أزمة الفرد/الوطن تعليميًا... نعم أنا هُنا مرآة تعكس قُبح، وهذا القُبح صار عاديًا للأسف، ولستُ هنا سوى مرآة تعكس الظاهر وما خفي أعظم، الأزمة موجودة وحريٌ بنا مواجهتها بدلًا من إنكارها أو التقليل من شأنها...

السبت، 17 أغسطس 2019

أزمة وطن2... أشجان صباحية



وأجلسُ والهشاشةُ تملأني، وأحسّها تنسربُ مني تُبلل مقعدي، وعواطفي تجيشُ وتضطرب... في هذا الصباح الآبيّ، وكلُّ صباح أشعرُ بروحي نشيطة... غاضبة... حزينة... تنتشي فرحًا وهي تذهبُ بي نحو أراضٍ شهدت بطولة ما... تضحية ما... إنتصارٌ ما... وأنظرُ في عينيّ حبيبتي البعيدة، أرى في عينيها كلامًا لا تقوله... ربما هي خجلى وأنا أحمقٌ في الحب،
هذا الصباح يُشبهك... يُشبه عينيك عندما تضحكين والخجل يرتسم على مُحياك،
لماذا الآن... أشتاقُ وأرغب بإحتضانك وتقبيل وجنتيك الحارتان، لماذا تبدين وكأنك ترحلين وتودعين كإنهزام... لماذا وأنا مفتونٌ بالنصر، برايات النصر... بجنوب لبنان ورايات حزب الله وصوت الرصاص وإندحار المُحتل، بأسماء الأبطال، كسناء محيدلي ووجدي الصايغ ودلال المغربي ولولا إلياس...
"وحدن بيبقوا..." نعم وحدهم... وحدهم أقدموا وتركونا لحياة مليئةٌ بالخُذلان والخوف والهزيمة،
ووطني يا حبيبتي مسروق، وطني الكبيرُ مسروق، وأنا لا أريد الذُل، كما لا أحتملُ حزنكِ وخوفكِ...
وطني، يا وطن الناهضين من الرماد، يا ليل المُحتل الغاصب، يا وطن باعوك وثملوا من أثمانك، اللعنةُ عليهم في هذا الصباح وفي كل صباح...!

حكومة تتلو حكومة، ونهج ثابت ومُتغيّر، ثابت: نهج الإستقراض وأخذ المنح، مُتغيّر في الشخوص فقط!
حكومة من نظام كامل قائم على "اللاوضوح" وعلى "البركة"...!
حلفائنا، من يمدون لنا يد العون، ويُملون علينا سياستنا الداخلية قبل الخارجية!
تأمر أمريكا ونُطيع، ويأمرنا مشايخ الخليج ونقول: حاضرين، ويُملي علينا صندوق النقد الدولي ولا نملك سوى الطاعة!
أيُّ شرعية يمتلكها نظامنا السياسي، وهو نظام شمولي تَبعيّ، ليس واضح في توجهاته السياسية والاقتصادية... 
كأن تعيش عالةً على من حولك،
 ما أسمك؟ من أنت؟ أنت عالةً وعبئٌ ثقيل!

حكومات بإرادات ملكية تصفع أيّ إرادة شعبية، ومجلس أمة نصفهُ مُعيّن ونصفهُ يُنتخب بقانون إنتخابي فاشل، ومجتمع عشائري مُتخلف وعُنصري، ووطن بات فُندقًا وخندق للإيواء...!
وطنٌ أصبح بديلًا، للذين تم إحتلال وطنهم وكإمتداد للرضوخ في وجه الإمبريالية الصهيونية، وُقعت مُعاهدة في بنودها تقرأ سطور الإستسلام والذُل!
ونظام لا يخجل من "نفاقه وجُبنه الدولي" ويصفون هذا النفاق والجُبن بكل وقاحة ب"الدبلوماسية"... هذا النظام يستقبل اللاجئين السوريين وهو الذي ساهم بشكل خفي في دعم الجماعات الإرهابية التي تفتك في بُنية الدولة السورية وتُقاتل الجيش السوري! 
وفي كل تصريح للملك يشكو من الوضع الاقتصادي ويستعطي الدعم، الدعم الذي ينعكس في مديونية تتضخم في كل عام، وفي بلد تحوّل لسجن كبير وشباب يائس وخائف من مُستقبل مجهول ومُرعب...! 
شباب تم تجهيله وحَشو رأسهُ بوطنيات تتجسد في صور القائد ونشيد ملكي..! 
شباب ضائع وتائه وفارغ، شباب لا مُنتمي ويعيشُ بوهم الوطنية... الوطنية التي لا تتجاوز العلم والقائد وخريطة وطن رُسمت بيدي سايكس وبيكو الملعونين... ملعونٌ مَن باع الوطن ومَن خان قوميته وتاريخه، ملعونٌ مَن زوّر الحقيقة وباعَ الوهم، مَن يملأ خزائنه بثمن الكرامة والإستقلال...! 
أنا يا وطني حائرٌ وحزين، أنا يا وطني لم أبلغ بعدُ سن الرابعة والعشرين، لكنني يائسٌ ككهل إنحنت رقبته وتساقطت أسنانه،
ولكنني أملك أرادة الموت، لا أخاف الموت... لذلك سأحيا حُرًا... واليأسُ أعرفُ جيدًا كيف أقتله... أنا يا وطني الكبير ثائر وسأموتُ كذلك، 

الجمعة، 16 أغسطس 2019

نص مُتطرف...

في ليلة واحدة ينتابني ألف شعور، وتستقيظ في رأسي ذكرياتي البعيدة والقريبة، وأبدأ مُحاكمتي لذاتي، أُدينها... أوبخها... ألعنها... لكنني أنسى لحظاتي الجميلة، لا تحضرني سعادتي القديمة... كأن الأشياء الرائعة التي تحدث تختفي، وراء القبح الذي حدث...

أنا مُتطرف... في كل أفعالي مُتطرف،



خطيئتي هي أنني أشعر جيدًا... أشعر بشكل ممتاز، وأُعاني من تكرار خطيئة الشعور، تكرار مُحاولة تجميل القبيح،
لا أملك أداة تجميل... لا أحمل رأسًا مليئًا بالتُرّهات والأوهام والسخافات... لا أملك خبرة الوحش أو المُهان، ولا أعرف سوى "المثاليات النظرية" التي امتلأ رأسي بها...
والواقع... الواقعُ كريهٌ وموبوء، وأنا لستُ أستسيغُ الركون والتسليم... لا أستسلم، دائماً أبحثُ عن نصر ما... عن شيء ما،
شيء ما، يُحزنني ويُسعدني، شيءٌ ما يدعوني للأسف للغضب للثورة وللإنسحاب والهرب... شيء ما يبكي في داخلي وفجأة يضحك... يصرخ... يُنادي ويُدينني ويلعنني و... هو الشيء لطالما كان معي، وفي أوقات مُحددة يبدو أوضح... لكنني لا أراه ولا ألمسه،
شيء ما في داخلي...
لا أفهمهُ رغم محاولاتي الجاهدة، شيء ما في داخلي يرفضُ كل شيء، ويقول لي: لماذا...؟؟
شيء ما، يُحاصرني... يستنزفُ قواي حتى آخر رمق، وعند الرمق الأخير ينهزم... يتراجع...!
أعرفني، لطالما واجهتُ أشباح... ولم أنهزم، لأنني الآن أكتب... وغدًا سأكتب، إلى آخر رمق سأكتب، سيأتي يوم، أتركُ فيه قلمي، وأغضب بيدي... بسلاحي...!
أغضب لأنني لا أحتملُ هذا الكم من الإنهزام والإستغلال والنهب والهدر... لا أحتملُ... موت الورود وإقتلاع الشجر، وخنق الوطن وسجن الطير،
لا أحتمل هذه الإنسانية الطاغية،

وحدي مع الليل...
وأتذكر، لكم أتذكر وأتذكر؟!
وتُصرُّ ذكرى بعيدة وقريبة على الوضوح... على المجيء لحاضري الآن، ذكرى حماقة إرتكبتها وكأنني أرتكبها الآن، لا أندم إنما أشمئز... وأتمنى لو أنني.... لا أعلم، الحماقات دروس وعُقد كندبات ترتسم علينا، وتبقى كعلامات تُذّكرنا... تُدمينا مُجددًا، هل يُمكن للإنسان أن يتصالح مع الماضي، ومع كل الذي حدث...؟!


أزمة وطن 1

خُطبة الجُمعة كعادة إجتماعية!

الصلاة بجوهرها هي ركن أساسي من أركان الدين الإسلامي، والمسجد هو بيت "فخم" تُؤدى فيه الصلاة؛ الصلوات المفروضة(الفجر، الظهر، العصر، المغرب، العشاء) والسُنن والنوافل، وصلاة الجُمعة...
يومُ الجمعة، يوم إجازة وعيد إسبوعي للمُسلمين، وفي هذا اليوم وفي صلاة الظهر تُقام صلاة الجُمعة وهي صلاة يُنادى لها بأذانين، ويصعد الإمام وهو الخطيب بعد الأذان الأول ويُسلم على المُصلين من خلال الميكرفون الذي يبثُ الخُطبة للناس في الخارج للنساء في بيوتهن وللذين لم يستطيعوا الحضور للصلاة لعذر قاهر...
الخُطبة قسمين وتُختتم بالدعاء وصلاة ركعتين يجهرُ بهما الإمام...
لن أتناول الخُطبة من منظور فقهي وكيف تطورت وواكبت الحداثة... ومن رأيي هي لم تتطور سوى في الشكليات، وموضوعاتها تتناول ما هو مُكرر ومُمل جدًا، وبالطبع توجد إستثنائات نادرة،
نعم أصبحت عادة وعادة تُفقد العبادة جوهرها، باتت واجب أخلاقي/إجتماعي ثقيل... يصعد الخطيب وترمقهُ العيون الناعسة، وتنتظر الأجساد بفارغ الصبر إنتهاء "الضجيج"، ولو أنك سألت مُعظم الحاضرين ما أبرز ما تناوله الخطيب في كلامه، لصفن وفكّر قبل أن يخبرك الجواب!
قد أظهر كمُعمم لتجربتي وبأنني أحكم على الأمور بسطحية وسذاجة... ولكنني أعتقد بأن هذه العادات الاجتماعية هي التي تُدّعم حالة "الخمول الاجتماعي"... وهي التي جعلت من الناس مُجرد مُتلقين ومُستمعين وخاضعين، ولا يملكون حق المُسائلة والحوار البنّاء، نعم للخطبة خصوصية دينية، لكنها تُؤثر شئنا ذلك أم أبينا في عقول الناس ووعيهم...
وفي حاضرنا معظم الخُطب مثلما أسلفت تتناول موضوعات مكرورة ومُملة وبديهية، وأحيانًا تكون "بهدلة وتوبيخ" للناس على خطاياهم وما يحدث من ذنوب وتجاوزات...الخ
مثلًا يذكر الخطيب بصوت غاضب، بأن لباس النساء وتبرجهنّ من أسباب فساد المُجتمعات، ولا يتناول حقائق وفرضيات إجتماعية بل مجرد كلام عاطفي سطحي... وبأن الابتعاد عن الدين ومظاهر الانحلال الأخلاقي الذي يتمحور حول الاختلاط واللباس غير المُحتشم للنساء مثلاً هو سبب تردي الاقتصاد وحتى هزائمنا على المستوى السياسي... وهذا غيض من فيض ما يتحدث به الخطباء، والبعض يُرجع ذلك للتضييق من الدولة عليهم، فهم "مجبورين" على عدم تخطي الحدود، وهُنا نلمس واقع القمع المُمارس والذي يتم بشكل طبيعي وعادي...!
والدين في جوهره ليس مُجرد شكليات ومظاهر، والله ليس بحاجة مُمارستنا الروتينية للعبادات، ولكن يخطر على بالي سؤال: هل نحنُ نُصلي لله بالفعل؟!
وهل "الله" صار في مُخيلتنا مُجرد ساذج وينخدع بما نفعل؟؟ هل بالفعل نحنُ نعرف خالقنا ونَعي عظمتهُ وجلالته؟؟
وأعود لموضوعي الأساسي بتساؤل بسيط: ما هي شروط الخطيب؟
لماذا لا يتناول مشاكل المجتمع ويُحللها بصورة علمية لا تتعارض مع الخطاب الديني، وفي النهاية يطرح حلول لهذه المشكلة أو تلك... ليس بالضرورة أن يُسهب في الحديث ويستطرد، فقط يتحدث برؤوس الأفكار، ليُحرك ويستفز ذهن المُستمع!
لتكون بالفعل خطبة الجمعة فرصة للتفكر والوعي... ليس ضروريًا أن تصبح جلسة حوارية، لكنها بشكلها الحالي باتت واجب ثقيل ومُزعج، ومجرد عادة قديمة تحولت لروتين إسبوعي... ولا بأس، لتبقى المُقدمة ذاتها ولتنتهي بالدعاء،
 لا أدعو لتغيير بنية الخطبة ولكن الشيء الذي لا يواكب العصر يموت...! 

الأربعاء، 14 أغسطس 2019

أزمة وطن (مُقدمة)

قبل أن أبدأ عليّ أن أوضح بعض الأمور؛ أولها: لستُ هُنا كعالم أو باحث أو مُتخصص، ما سأكتبه هو مُشاهداتي وأرائي الشخصية... ثانيها: لن أستطيع الكتابة بطريقة إحترافية تُراعي "قواعد كتابة المقال" وغير ذلك... لذلك قد تبدو مقالاتي "فوضوية" أو تفتقد للنظام، وهذا بسبب عدم تخصصي وعلمي الكبير في كتابة المقالات ولأنني لا أستطيع الإلتزام بقواعد لا أدري من وضعها... بإختصار أكتب كما أُريد، وكبداية أودُّ أن أبدأ بمُقدمة:
في هذه هذا النص وما سيتبعه من نصوص، لن أتعرض لقضية أو مُشكلة مُحددة، وسأتناول العديد من الأمور المُترابطة، والتي تبدو كأسباب تتضافر لتُنتج أزمة...
أزمة مجتمع... وطن... أوطان... أمة...
 نعم نحنُ كشرق أوسطيين وكأردنيين تحديدًا، نُعاني أزمات كثيرة ومُتشعبة وغارقة في القدم ومُستمرة وتتأزم وتظهر أزمات جديدة، وهذا ما يضعنا أمام واجبنا تجاه... أنفسنا قبل كل شيء، فما هو الوطن؟ وما هي الأمة؟
نحنُ الوطن ونحن الأمة، لستُ هُنا بصدد كتابة كلمات مُنمقة ومُختارة بعناية، ولا أكتب لصحيفة أو موقع... أكتبُ لأنني أشعر بواجبي تجاه وطني وأمتي، ولا سقوف فوقي ولا جُدران تُحاصرني، سأكتبُ ما يُمليه عليّ عقلي وتحضني عليه تجربتي وعلمي القليل...
لستُ مُنظرًا ولا مُحللًا ولا أدّعي المعرفة والفهم، أنا فقط إنسان يغضب... دائماً يغضب من حاله وحال وطنه، ولا يرضى التسليم والقبول ولا يُؤمن بقاعدة "ليش أتّعب رأسي؟"
والكتابة هي نوع من التعبير عن الغضب... عن الرأي المخنوق والمكتوم والمقموع...

في البداية:
من أنا؟ ومن نحنُ؟؟
وهذا الوطن هل وطن فعلًا؟
هل نحنُ مواطنون بالفعل نخضع لدستور "عادل" ويرأسنا رئيس إخترناهُ ونثق برئاسته؟
هل نعرف ونُدرك ونعي ما هو نظامنا السياسيّ ومَن يحكمنا...؟
اليوم وفي الأمس والغد... الملك وديوان المُلك وأجهزة الدولة الأمنية(المخابرات، الجيش...) والمَدنية(المؤسسات والهيئات الحكومية، الجامعات الحكومية، الشركات الحكومية..) مجلس الأمة (النواب، الأعيان)، المجالس البلدية ومجالس المُحافظات... كل تلك الأسماء لا نعرف حقيقتها وما هي صلاحياتها ومن يتحكم بمن ولصالح من؟ نحن ننتخب مجلس النواب ولا نثق به بل ونلعنه... إذن نحن نلعن النظام ككل، نلعن الملك وأجهزة الدولة ومؤسساتها،
الواقع الذي يتمحور حول "الأزمة الاقتصادية" التي نُعاني منها كأردنيين، ونحن ندرك مَن المسؤول عن هذه الأزمة... ببساطة هو النظام من رأسه حتى أخمص قدميه، وللمُطلع بسطحية على تاريخنا السياسي خلال القرن الماضي يُدرك الأسباب التي تضافرت وأنتجت ما نُعانيه اليوم، وسنُعانيه غدًا وبعده بشكل أكبر وأسوأ، لأننا نلمس إنكار وغض طرف عن حلّ الأزمة... بل ونرى إمعانًا في السقوط المُستمر،
"الثورة العربية الكبرى"
تلك التي بدأت حكاية تقسيم الكل وإهدار الموارد والعقول والثروات، وتقديم البلاد للمُستعمر وجعل الشعوب مُجرد أرقام و"رُعاع" من الجهلة والمُتعصبين والمخدوعين والمأزومين والمقهورين...
وهذا لا يعني "أفضلية الدولة العثمانية"، ولا أبالغ إذ اقول بأن الحُكم العثماني وعلى مدى قرون أسس لواقع "الأزمة التي نعيشها اليوم"!
منذ سقوط الخلافة العباسية (آخر حكم عربي لبلاد العرب) بدأت هويتنا تضيع وتُمحى وتُستبدل...
وها نحن اليوم، بلا هوية ولا نعرف مَن نحن ولا نثق بتاريخنا القريب والبعيد وينتابنا شعور جَمعي طاغٍ ومُستبد بأننا خُدعنا وتم سجننا وإخضاعنا وتدمير إرادتنا الحُرة... تلك الإرادة التي لم تُحرك "ثورتنا" ضد الأتراك ولم تتحرك للم أجزائنا في وطن يمتد من ديار بكر لعدن ومن الحدود العراقية- الإيرانية والخليج العربي لضفاف البحر المتوسط والأحمر...
تم التقسيم، وتم نفي زعيم الثورة (الحسين بن علي) الذي ربما خُدع من حلفائه...
فلسطين للصهاينه وسورية الطبيعية تحولت للبنان وسوريا وأردن...
والعراق والخليج تم تقسيمه حسب المشيخات، وهكذا صار الوطن أوطان... ولن أستمر في الخوض بهذا التاريخ وتلك الحقبة السوداء والحزينة،
إلامارة الأردنية صارت مملكة،
مملكة وقعت معاهدة مع المُستعمر،
المُستعمر يُغادر ويبقى... تمضي السنين ونحن مُستَعمرين وراضين، ونضع أنفسنا مُجددًا تحت مقصلة مُستعمر جديد "صندوق النقد والبنك الدولي" ونحنُ بحاجة المانحين والمُقرضين، دول الخليج النفطية والغرب...
في هذه الأيام أرى سنوات الأردن من عام1989 نزولا حتى شهر يونيو عام 1957، عندما حُلّت حكومة سليمان النابلسي (أول وآخر حكومة برلمانية)، بعد ذلك تم خنق العمل السياسي في الأردن وقُمعت الأحزاب وبدأ الحُكم العُرفي ومرت السنون، لنتسائل اليوم: ما هو دور الأحزاب وما هي فائدتها؟ لماذا العشائرية الجهوية و"التسحيجية" أو "الهمجية" هي التي تحكم ويطلب النظام السياسي رضاها؟!
لماذا المديونية تزداد وتتفاقم حالة "الموت السريري للإقتصاد الوطني"؟ لماذا نستورد القمح من امريكا؟ لماذا لم نستخرج النفط والغاز؟ ولماذا لم نستغل مواردنا الطبيعية كالفوسفات والبوتاس...؟ ولماذا ملفات الفساد تُطوى وتُنسى؟ ولماذا تستمر نفس الطبقة الفاسدة والفاقدة للشرعية "أخلاقيًا ومنطقيًا" بالحُكم؟؟

لستُ بطلًا...



 لستُ بطلًا...
ولستُ صبورًا، ولا أحتملُ أتفه الصعاب وأجدني في يومي ضعيفًا... حائرًا... وخائفًا جدًا، أحيانًا أشعرُ بأنني أملك قوة خارقة، وأعي تمامًا ضعفي وقلّة تحمّلي...!
لكنني لستُ راضيًا ولا أستسيغُ الأشياء... لا أرغب في أن أعيش أيامي "غائبًا" وأهربُ مني لأطمئن للضجيج... لعاديّة الأشياء وتكرارها المُمل... والحياةُ مُؤلمة ومليئة بالتحديات التي تحتاج قوة... ربما هي قوة "اللاوعي... الهروب... والرضى والتسليم... وعدم التفكير"!،
لا... لستُ بطلًا أو ضحية أو... شخصٌ يعيشُ أيامهُ حالمًا ومُستغرقًا في روتينه اليوميّ ولا تُلفت إنتباهه... لا يحتار ولا يَقلق، إزاء تناقضات الحياة وجدواها ومعناها وقيمتها!
لن أكون عبدًا لسيّد... لإله... لشيء ما،
لن أكرهني وأبحث عن سلوايّ في مآسي البُؤساء والتعساء... لن أكون مهزومًا وطريدًا ومُستضعف، لا لن أدّعي مثالية زائفة وبطولة خيالية، فأنا أبكي لتفاصيل حزينة تُصادفني أو تتعلقُ بي وأضحك أمام كوميديا الواقع... وأحزن وأفرح لمشاهد الحياة اليومية، وليس الوجود هُنا سوى تساؤلات... 
وأجوبة ضائعة أُحاول إيجادها... وتيهٌ مُستمر... الحياةُ تيه،
والموت... حقيقة ومنارة نستهدي بها.... لعلّ الميناء هُناك حيث الضوء، هل هو ضوء أم خيال؟!
هُنا موجٌ يتلاطم ويضطرب، هُنا سفينٌ لا ندري متى صعدناه ومن الرُبان؟!
هُنا إظلامٌ يبدو أبديّ... وإشراقٌ لا يستمر... يبدو أحيانًا أبديًا أيضاً... لكنه عادةً ينتهي بسرعة!
لكنني هُنا الآن...
والآن أنا بحاجة وهم ما... بحاجة كذبةٌ تُخبرني بأنني سأنجو، وسأصل الميناء وأبقى فيه للأبد، والميناءُ بعيد...!
سطرٌ جديد:
لستُ "مثاليًا" ولا أرتدي تلك القشور والزخارف والألوان الزاهية...
المثاليةُ(أرى بأنها تلك الأفعال والمشاعر وكل شيء غير أصيل.. كل شيء يتم لأرضاء الخارج إجتماعيًا)... هي مرض مُزمن وله درجات أشدّها أن يتحول الإنسان لدُمية لا تملك أيّ إرادة حُرة،
نعم أرتكب الأخطاء والحماقات وأعيها وأبكيها في ظلام ليلي وبعيدًا عن العيون أجلس لأُحاكمني وأُدينني، ولا أنسى عفوي عني وفخري بأنني أعيشُ بشكل حقيقيّ،
أنا أأسف لكل الذي حدث... أحيا أتألم لألم الوجود ومُعاناة الموجودين، وأفرح كثيرا بأشيائي البسيطة وأنتشي لإنتصاراتي وحتى هزائمي لا تهزمني إنما تجعلني أكثر حياةً وشعور ووعي...
أكره التمحور حول الذات وأكره (قليلًا) ما أحسبه خلل إجتماعي أُعاني منه، وأسعد لأنني أعي ذاتي وأعرفني... كم يجهل الإنسانُ ذاته؟
لا أطلب الراحة ولا الطمأنينة... أنا حيٌ لأقلق وأثور وأغضب وأُعيد المُحاولة!
إكتشفت الله والأخلاق والحياة وما زلت أكتشف... أرى الله ولا أخافه... لا أعبده... لا أطلب جنته... لا أهرب من الجحيم، لا أرضى بجحيمي الأرضي لأن الجنة بعد الموت ستكون بيتي الأبديّ... ليس ثمة أبد! اللحظات تتسرب منا، علينا أن لا ننسى الآن... أن لا أعيش مُحتضرين ونموت نادمين على كل شيء!،
في الخارج ألمسُ "اللاحياة" وأتحسسُ برودة الأماكن وضجيجها الحزين وأنينَ الأرض... الأرضُ تبكينا، الأرض حزينةٌ علينا، ونحنُ غافلون... غائبون... ميتون ونُسرع في خطانا نحو اللاشيء... نحو الظلام الدامس والغياب الأبدي!
كم سنبكي أيامنا... ومتى سنعرف بأننا مسروقون وتم إهدارنا حتى النهاية؟؟!!