الخميس، 30 أغسطس 2018

كبرنا

                    (2014/7/28)
               

كُنا ستةُ أطفال كبروا قبل اوانهم، (عايد.. معن.. قصي.. محمد.. عمر وهاشم)، لم نجتمع في صورة، ولم نكن نلتقي بالاتصال الهاتفي.. كُنا أطفال. كُنا نلتقي بلا موعد مُحدد، وبلا ايّ تأخير، ونُخطط ونفعل.. أفعالٌ يراها "الآخرون" شاذّه.. مُنحرفة.. ونراها نحن مُجرد أفعال.. أفعالٌ فقط، كالهجوم على مصنع المُخلالات ورمي الحجارة على صفائح الزينكو.. وارتداء "الثياب البيضاء.. واخفاء وجوهنا وراء الشُمغ" والهجوم على مزرعة يوجد فيها عُمّال (مصاروه) ومُناداةِ احدهم بإسمهِ "بووووولص"، ليخرج أحدهم ذاك ويُحاول معرفتنا من خلال ضوء الكشّاف.. ولا يعرفنا. 
إلى أن أردنا فعلاً أكثر حماسة، واتفقنا على الرقص على الشارع في الليل (غرب قريتنا) أمام (أي سيارة قادمة) ومن ثم الهروب في (زرع أبو نايل).. وفعلنا ما خططنا له كالعادة.. رقصنا مرةً واحدة وصار اسمنا بعد ذلك "عصابة الرداء الأبيض"..وكُنا نُسمي أنفسنا "ما بنخافش".. حاولنا كذلك إخضاع عامود هاتف لنا، فأستطعنا إنزال اسلاكه تحت اقدامنا ولم نستطع كسر العامود.. وفي إحدى الليالي (صيف 2012) حصدنا زرعاً لإمرأةٍ كبيرة في السن، وأردنا من ذلك مُفاجئتها وإسعاد قلبها.. في ذلك الحين أحببت الممثلة الكويتية لمياء طارق، وكنت أسمع (دائما) اغنية ناديت وينك لماجد المُهندس، وكنت أُدخن وخلعتُ ضرسين في ذلك الصيف. فقدنا أحدنا، غابَ عنّا في أواخر ذلك الصيف في إحدى ليالي رمضان.. لم نعد كما كُنا، بدى بأن "جماعتنا" وهنت، بعد غياب أحدنا، وأنا كنتُ أكثرهم وهناً.. إبتعاداً.. وكانوا يُحاولون ترميمنا وكنت أنا الغائب الثاني عنهم. لم أكن انتظر سوى عودة "عُمر" وتعافيه من.. فقر الدم ! هكذا أخبروني وصدقتهم..! 
الصورة الوحيدة التي جمعتنا، كانت لأربعة يجلسون في حديقة خضراء و.. يفتقدون أنفسهم ويضحكون، أنا المصور وعمر المفقود، واليوم لم نعد نجتمع الّا في المُناسبات او الصُدف، كبرنا ولم نعد "بنخافش" بل بدأنا نخافُ كثيراً.. أتحدث عن نفسي وعنهم اعتقد ذلك.

الأربعاء، 29 أغسطس 2018

رسالة لمجهول..



مرحباً
في هذه الليلة أنا وحيد. مُش حزين، فقط وحيد منذُ أن أدركت وبدأت وفعلت.. عدة أمور. 
مُؤخرا صرتُ أرى الناس (كُلّهم) بعين الشفقة والاحتقار الممزوج بالحب والبُغض..
هُم (جميع الناس) مُجرد أطفال سُذج.. يعيشون أحلام يقظه ويُواجهون الحياة بروح طفولية.. يُرعبهم الغد لأنهم لا يعيشون اليوم.
تخلّوا عن (الروح) وتمسكوا بالجسد. يَخافون على ما في أيديهم لأنهم ينظرون بنهمٍ إلى ما لا يملكون.
ولأنهم يجهلون أنفسهم، يحكمون على غيرهم ويُقيّمون ويُنظّرون و.. قد لا أكون إلّا ما لا يُرضيني !
لأنني إذا رضيتُ صرت تمثالا لا حياة فيه.
من ذا الذي قال بأن الليل سَكنٌ وراحة ؟
ما الليلُ إلّا شيطانا.. يصحو الشيطان ولا أراه !
وهل يستحق الشيطان هذا الوصف اللعين ؟
أنا الذي سيدكُّ ما هو على وشك الدمار.
سأُضحك الذي يكاد قلبه ينفطرُ من اليأس.. وسأُبكي الإنسانية. سأجعل من المأساة أضحوكة، وسأبني تمثال "المُبتسم على أنقاض العُمران".
سأفعل من الفوضى جمالاً. ولوحتي التي ارسمها، هي لطخاتُ دم الطفل الذي إنهار سقف بيته عليه وهو نائم..
رَسمتُ من تلك الدماء وجهاً قبيحاً، فعيناه مُتباعدتان، وفمهُ فاغرٌ ومنفوخٌ وفيه سنّان فقط.
وجهٌ يجعل الناظر إليه، يحسُّ بأن في الحياة ما زالَ.. لا أعلم !
فما الذي بقيّ لنا ؟ وفلسطين صارت كيان ؟ والقدس قبل أيام صارت عاصمةً للكيان ؟  القدس هي يافا وحيفا وعكّا.. هي الجليل وصحراء النقب.. لكننا سلّمنا يافا فوضعنا رقابنا التي لن تُقطع (وليتها قُطعت) بل ستُداس كل حين بنعلٍ يرتديه جبانٌ رعديد (ليته شُجاع).

كلمات..

                    2018/2/5

إنني لا أفتقدُ شيئاً، ولا أحنُّ إلى تلك الأشياء الثمينة وذات الأهمية لنفسي. إنني أقسوا.. أتصلّب.
إنني أحيا قلقاً لا أدري ما هيّته، نفسي تتوقُ إلى الطمأنينة والهدوء..
أودُّ لو أُغادر كل شيء، لمَ عليّ أنا أن أُغادر ؟ لمَ لا تتركني الأشياء كعادتها ؟ 
لمَ لا تهجرني وتطوي صفحتها البيضاء الناصعة ؟ وتحمل حقائبها وتسيرُ في طريقٍ بلا معالم، الإنارةُ فيه اضوائها مُتجهمة، تكشف عبور الضباب السريع..
ـــ
وحانت منها نظرةً للسماء، لأن رأسها كان مَحنياً، لأنها تبكي حسرةً ويأس. رأت في السماء نجوماً ساطعة، وقمراً هلالياً.. وانهالت دموعها الساخنة على وجنتيها الباردتين جداً.
ـــ
فلتصمت إلى الأبد.. تلك الأصوات والصور التي تدويّ في جُمجمتي. لتمضي نحو الظلام، فتغيب جرّاء النور الساطع.. ذلك السطوع الذي لا يلبثُ أن يتبدد.. أن يَجري مُبتعداً، ككُتلة ضباب يُسيّرها هواء.. كغائب يتحرقُّ شوقاً واستعجالا عندما يلمح ديار الاحبة في المدى البعيد!.
ما زلت أنا، لم اتغيّر ولعليّ لن أتغير ! ما حَولي يجعلني طفلاً، ذو قلبٍ هشٍّ ضعيف ! يُخبرني (قلبي) كم أنا غريبٌ.. أحيا غُربتي (الأبدية) في أرض وُلدت فيها وأمضيت عمري فيها ! هذا (الطفل) يُدرك تماما إنحداره نحو "العلّو الهابط"، وبأنه لن يكون في يوم مُطمئن؛ لأنه أحرق ما لن ينبتُ مجدداً، لأنه دمّر بإصراره وعناده ما لن يُرمم !
أراد أن (يختلف)، وحالته هذه هي الإختلاف لو يُدرك ذلك لأطمئن (ولو قليلاً).
ـــ
هُم جميعاً أوغاد، طيّبون، يحبون بعضهم ببُغض، ويُبغضون بعضهم بالابتسام والكلام الجميل. ينحني أحدهم وهو لا يدري لمن ينحني ؟ فقط ينحني ويُقبّل مواطئ الأقدام.. فقط لكي يحيا !
وأحدهم يموت واقفاً.. هكذا كبناء شاهق سُويّ بالأرض  بالتواطئ مع المُتفجرات، والأول أكثر صدقا ونُبلا وكرامة من الثاني... لأن الأول اختار الحياة بينما الثاني فضّل الموت !
ـــ
ما الذي ألمَّ بي ؟ وجعلني غير الذي كُنت ؟ إنني كقصر خاوٍ، جُدرانه تشققت، وغرفه تصفرُ بها الريح !
بتُّ ظامئ (جدا) لِما كنت لا أتوقع عطشي إليه ؟
تهدّم كل الذي شُيّد لأنه كان قائما على اساسٍ واهن، سئمتُ الانتظار والتظاهر بأن كل شيء على ما يُرام !
ماذا أنتظر ؟
أقوى الآن على أن أكون نجماً.. نعم يُرى ساطعاً في السماء، لكنه مُجرد وهم.. مُجرد ضوء لا يلبث وإن طال امده أن يندثر. أخشى أن استيقظ على ما هو جديد ! أن أصير مُتوحشاً ! أن يصير قلبي قاسيا كحجر.. أن أُدنس رُغماً عني.
ـــ
هذا الليل يسكنني. ضيفي يحمل بيده سيفاً ورائحةٍ كريهة، ولونهُ شديد الوضوح و... يبتسم. أنا مريضٌ بإنسانيتي.. بكوني كائناً إجتماعياً يكره الإجتماعات، لأن لي عينين لا تَريا سوى قُبح وبُؤس وتعاسة الوجود.
ـــ
أُبصق على ليلة البارحة، وابدأ يوما جديد.
ـــ
سأشرب من كأس الحياة حتى أثمل.. أتمنى أن أموت شاباً.. أن لا اتجاوز الخمسين من عُمري..
أن أحيا كمن مات وقد تجاوز مئات السنين من عمره.. لا أخاف الموت، لا أتحدث كآمن بل كموقن..
الموت حقيقة، نهاية جميلة.. 
لذلك (حاول) أن لا تنتهي قبل أن تبدأ.. إبدأ ولو تجاوز عمرك الستين، أو السبعين..!
ـــ
الموت.. كأنه يخطف أرواحٌ مُحددة.. الأرواح الطيبة!
يخطفُ من تسامى بروحه.. كأن (الموت) يحميه من الولوج في تلك المتاهات.. البقاء لشياطين تلك المتاهات!
الأبواب مُشّرعةٌ.. لكنَّ الأرواح تأبى إلّا الشقاء !
يُريدون البقاء.. يتنافسون في تيه ؟!
يألفون النزاعات، ويتظاهرون بالإتحاد والإجتماع.. مَن قُدّر له الخروج.. نَجى !
النجاة تكمن في الخروج بدايةً.. الخروج الأوليّ هو التمرد على تلك العادات الشيطانية وإن ظَهرت بالثوب الملائكيّ.. واعتزال تلك الأرواح التي تُورثُ كلّ ما هو قبيح، وترمي بمن يقترب منها في وديان الضياع والحيرة.

مُجرد شعور (قصة قصيرة)

كان "م" يمضي نحو.. غايته. إلى أن أشرقت في نفسهِ فكرةً لعلّها راودته قبل أن يمضي.. قبل أن يخطو خطواته الأولى..!
ككُل الذين يخرجون من بيوتهم لأجل القيام بأمر "بالغ الأهمية"، كانَ صاحبنا "مشحوناً"، يكاد يَطير من ما يشعر به من إحساس بالإستعجال.. برغبةٍ مُؤلمةٍ للوصول.. 
في قَرارة نفسه، بَزغ شيءٌ مُتوقد.. وقد كان مزاجه في أول الأمر (وهو ينتظر الباص)، كان مزاجهُ كئيباً.. كارهاً لكل شيء، إمتزجت تلك المشاعر، مع شعور يقترن بالصباح عادةً.. إحساسٌ بالوضوح والجمال.

وعندما إستقلَّ الحافلة "المُكتظة"، وجلس في مقعد مزدوج، خلف السائق الذي لا يَظهرُ منه سوى صَلعة رأسه وجاكيته الأسود واهتزازه من جرّاء مطبات الطريق (الصناعية والطبيعية)..
بسرعةٍ حاصرته أصواتٌ مُبهمه وهمهمات، يتميّز عنها صوت الراديو بوضوحه.. كان وهو ينتظر الباص قد تجمدت أطرافه من البرد.. بل من الصقيع الذي يترافق مع هبوب رياح (الشرقية) الديسمبرية والآن يكاد يختنق من حرارة المكان ودُخان السجائر المُقرف..

عن يساره نافذة الباص وعن يمينه يجلس شيخٌ كهل، يُمسك بيديه عُكّازاً ويُحدّق إلى الأمام بذهول.. وإلى يمين الشيخ في المقعد الفردي، تجلس فتاةً تحتضن أوراق وتميلُ بوجهها نحو النافذة إلى يمينها، كأنها تتقي شيءُ ما !
وعلى مقعد يُسمى "الوساطي"، هذا المقعد "المُميز"، فهو بين السائق والكُرسي الأول.. الجالس عليه يكشف كل الباص وكل الوجوه تنظر إليه، وعادةً من يجلس على الوساطي "يرتبك" قليلاً أو كثيرا حسب شخصية الجالس، ولكن لابدَّ له من أن يرتبك.. ويُحاول أن يبدو الناظرين إليه بأنه بوضع طبيعي، فلذلك يُخرج هاتفه ويتصفح.. كما هو حال الشاب الجالس على الوساطي في هذا الباص الذي يركبه صاحبنا.. صاحبنا الذي وبعد دقائق قليلة من جلوسه، أحسَّ بوخزةٍ في صدره.. وانتابهُ غثيانٌ خارق.. فتزحزح عن مقعده قليلاً وسَعل.
صُراخ مُذيع برنامج الصباح، وإنبعاث الاغاني الصباحية (الفيروزية والوطنية)، وقطعها بشكل مُفاجئ بعويلٍ مُدويّ لإعلانات تبعث في الأنفس السأم الشديد..
كلَّ هذا بثّ في نفس صاحبنا شيءٌ من العجز والحنق الذي يتلّون على وجهه بإبتسامة اشمئزاز تشدُّ وجهه.. 
تلاحقت في ذهنه مخاوفٌ وآمال ويأس يُخالطه عزمٌ وقوة مُندفعة.. وعَلا الباص وهَبط من على مطب مُعتنىً به جيدا.. وإلتفت صاحبنا نحو النافذة على يساره.. رأى الرصيف المُزدحم بعض الشيء.. ووراء الرصيف سورٌ مُتداعي.. مُتطاول، وراءه أشجار ضخمة ومبنى قديم على ما يبدو..
وانتبه لإمراة تجلس على الرصيف، ترتدي خماراً أسود بَهت لونه وصار رمادياً.. وفي حضنها ينامُ طفلٌ لم يتجاوز الخامسة على ما يبدو.. ومن خلفها يسير العابرون.. يُسرعون الخُطى.. كُل شيء يُرى سريعا، بعيدا من خلال نافذة الباص المُسرع.

نَزل صاحبنا عند تقاطع م.ن، وصَعد نحو "دائرة ق" التي صار صاحبنا من زبائنها الدائمين، الدائرة تقع في الأعلى.. لذلك من أراد الوصول إليها سيرا على الأقدام، عليه أن يصعد رصيف مُقفر، فالمحلات مُعظمها مُغلقة والناس منذ ساعة تقريبا خرجوا ليومهم.. والشارع خفيف الحركة، ولا يعلم إلا الله كيف تظهر السيارات بشكل مفاجئ عندما يهمُّ أحد الماره بالعبور ! كما حدث لصاحبنا الذي كاد أن يُدهس أثناء عبوره الشارع للجهة الأخرى..
قُلت أن فكرةً أشرقت في نفسه وهو يمضي.. بل يصعد. والفكرة هي أن كل شيء إستوى.. وبأن الأمور قاربت على الإنتهاء، وبأن هذا المكان جميلٌ بعض الشيء، بالرغم من شعور بالإغتراب استولى عليه.. والمزاج الذي يتأثر من جوّ الصباح ورياح الشرقية التي تجعل المكان يبدو مُتجهما رافضاً.. 
ها هو قد عاد مُجددا لهذا المكان ! وعاوده الشعور ذاته كُلما مرَّ من هذا المكان.. الشعور بعدم القبول والرغبة القوية بالإمّحاء والتبدد. وَصل للمبنى.. وما أن دخل حتى فُوجئ ككل مرة بإزدحام الناس.. وفي كل مرة يشعر بفقدان السيطرة.. وبأنه صار خفيفاً (أهبل).
خَرج مثلما دَخل، فقد أُعطي موعدٌ مُؤجل لإسبوعين أراد أن يحتجّ على ذلك.. لكنه أمسك.. فقد كان مُنهكاً تماما، فقد أمضى نصف ساعة وهو ينتظر أن يَحين دوره.. إلى أن حان وقد تبددت قواهُ تماماً.. فلم يملك إلا أن يهزّ رأسه أمام الموظف المُكفهر الوجه ويختم بـ "الله يعطيك العافية".. ويُغادر.  وما أن تجاوز الباب حتى هاجمه الهواء البارد.. وأحسَّ بوهن يتغلغلُ فيه.. ونزل الدرج وهو يشعر باليأس اللذيذ.. ودون أن يدري أين يتوجه ؟ عقد يديه وراء ظهره وتوجه لليسار كآلي مُسيّر، وتذكر لا يدري لماذا تلك المرأة التي كانت تجلس على الرصيف وتحتضن طفلها.. تَذكرها كأن كُل الذي جرى يعنيها !!.
هاشم عبدالله 2017/12/18

الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

مُجتمع مُؤدب




عيب.. حرام.. لا يجوز.. الخ
لا أُبالغ إذ أقول بأن هذه العبارات تبدو للجميع مألوفةً جداً، نسمعها منذُ وعينا الأول حتى نلفظ أنفاسنا الأخيرة في هذه الحياة، يتم حشو ادمغتنا بأننا تحت رقابة الناس قبل الله، بأننا مُراقبون جيدا وزلاتنا محسوبةً علينا، لا بل على كل المُحيطين بنا..

نُلقن مِراراً وتكراراً، بأن علينا (دائماً) أن نكون عند حُسن ظن الجميع، والويل كلّ الويل لمن يُخطئ.. يزل.. يفعل شيءُ ما لا يُرضي الناس.. نتحول بشكل إجباري لمُجرد كائنات تجتهد بأن تكون "مثالية.. طاهرة.." ونتحول كذلك لمُقيّمين وهيئة مُحلفيّن وقُضاة نترصد أولئك المُخطئون.. المُذنبون.. الساقطون.. الذين تجرئوا على الأدب العام وتجاوزوا "النمط الملائكي" الذي نعيشه، في مُجتمعاتنا المُؤدبة.. جداً.

مُجتمعات لا يتساوى فيها الناس إلّا في المساجد، حيثُ يقف الجميع صفاً واحدا بلا تمييز.. 
مُجتمعات "مُحافظة" تتغنى بالفضيلة، وتتنكر لكل حَدث يفضح حالة الترديّ والتراجع..
مُجتمعات ينامُ فيها الفقير جائعاً، ما دام لم "يهرول" وراء المُحسنين، ويقفُ على أبواب "الجمعيات الخيرية" يستعطي بضعة أشياء تجعله يشعر بإنسانيته المفقودة.. 
مُجتمعات تعضُّ بالنواجذ على مروروثات الأقدمين، وتتخلى رغما عنها عن "إكرام الضيف.. واحترام الجار.. وإغاثة الدخيل.. والعفو والتسامح.. وعار التخاذل والانهزام والخوف من الحق.." 
مُجتمعات صنعت آلهتها، ورضت بعبوديتها لكل "الاسياد"، الاسياد الذين يُلقنون الفضائل والأخلاق وحب الأوطان والتضحيةُ والفداء.. 

الاثنين، 27 أغسطس 2018

بلا عنوان

لم تكن نهاية العشاء سعيدة. فقد مات الجميع عن بَكرة أبيهم. أعقب الضجيج خمودٌ رهيب. وسُمعت ذبابةٍ تطنُ في الظلام، لا أحد يدري هل قُطع تيار الكهرباء إيذاناً ببدء النهاية ؟ ام أن الأمر حدث بمحض الصدفة؟
كعادة التيار الذي ينقطع متى ما هبَّ الهواء وذاعَ في الأرجاء نبأ "إحتمال" حدوث منخفض جويّ.

إنتهى الحصار. وطَلع الصُبح، ليفضح ليلةً شيطانية.. تزعمها الشيطان وتابع سير العمليات.
الصباح أظهر كل ما كان الليل يستره.. فأعمدةٍ رمادية من الدخان تتوزع بإنتظام فوضوي في أرجاء المدينة، إذ يستحيل أن يتجاور عامودان.
الناس كأنهم ماتوا جميعا في الليلة الماضية. فالصباح لم يُخرجهم من بيوتهم كعادتهم كل صباح، ام أنهم ما زالوا نائمين فحسب؟؟

أخبرتكِ كل شيء دون أن تسمعي. أخبرتك بأنني "ضعيف" ضعفاً لم يبدو ظاهراً عليّ.. لم يكن واقعيا لكنه حقيقيّ ! لكنه موجود..
لذلك تجاسرت الظروف التي ألعنها وأبصق عليها الآن..
تجاسرت من خلالك، دون أن تعي ذلك وتُدركيه..
لم تُدركي لأنني لا أفصح.. لا أتحدث كثيرا.. بل لا أتكلم دائما إلا كواجب !!
ومع ذلك لا أجدُ في بعض الأحيان جانياً مُدان إلا أنتِ!
وأعلم مع ذلك بأنني أُبرئكِ ولا أتهم احداً.
هل تُدركين معنى "الموت" الأسمى ؟ هل تعرفين أنني أؤمن بأن هذه الحياة لا شيء.. إلّا وهمٌ يُفضي إلى عدم !
أنا أتخبط في هذا الوجود كتائه.. وأعلم علّتي، وهي أنني لا أُدرك الوجود كإدراكي لغياب شمس أو كلمةٍ أنطقها !
لم اتوصل بعد ليقين ولعلّني لن اتوصل أبدا.. أعلم بأنه يجب عليّ أن لا أُتابع في هذه المتاهة، ولكنني ألقيت نفسي فيها.
هاشم عبدالله 6:22م، 2017/10/18

لأنها تجاوزت حدودها (قصة قصيرة)

لم تكن "رنا" بإحسنِ حال مما كانت عليه قبل حديثها على الهاتف مع صاحبتها، إستغرقت المُكالمة نصفُ ساعةٍ.. لأمر ما، تناولت "رنا" هاتفها ورنّت على "نُهى"..
فالمُكالمة لم تكن تسليةً وإمضاءً للوقت قبل موعد النوم(الذي يحين عادةً فيما بعد الساعة الحادية عشر مساءً).. 
رنا تبلغ من العمر اثنان وعشرون عاماً.. ابنة المُتقاعد العسكري برتبة نقيب سعيد أبو اللبن.. وإن كانت عادتها "عدم النوم الباكر" فهي دائما تستيقظ باكراً على صوت مُنبه هاتفها قبل موعد أذان الفجر بخمسة دقائق.
قبل ساعات كانت في عملها.. تعمل في "جمعية ام الرمان الخيرية" كسكرتيرة و.. مسؤولةً عن كل شيء، اللهم إلا إدارة الجمعية.. فالادارة لها أصحابها الذين لا يكونون شباباً كما هي العادة.
موعد عودتها للمنزل(إنتهاء يوم العمل)، ما بين الواحدة ظهرا والرابعة عصرا(حسب الوضع).. لن أتحدث عن راتبها.. فهو عبارة عن "مصروف" مواصلات لعدة أيام.. لا يكفي ليوم تسوّق الغاية منه شراء حذاء (أجلّكم الله)!.
ورنا تُعامل في أروقة الجمعية وكأنها في وكالة إستخبارات أو غرفة تحكم مسؤولة عن منع تدمير مكان مأهول.
رغم تفوقها الدراسي فيما قبل التوجيهي، إلا إنها لم تتجاوز عتبة التوجيهي.. وهي ترغب بإعادة المحاولة، ولا تقدر على ذلك، لتضافر عدة عوامل أبرزها "الوضع المادي" الذي تُعاني منه أسرتها.
هي ككل فتيات وشُبان وطننا، ترغب وتأمل في تحقيق أمور وإنجاز ما تُريد، لكنها تشعر بالإحباط يغزوها كل فترة وأخرى، وتتعامل مع مُجريات الحياة بطفولية، وهذا الأمر يجعلها دائمة الحماسة والترقب والاندفاع، الذي يصطدم عادةً بالواقع الحياتيّ.. ودون تَوقع "تُطعن" في ظهرها.. لا ترى طاعنها أبدا ! 
تجد نفسها، لا يُحيطُ بها سوى مجموعة أُناس لا يُؤَمن منهم شيء.. وحتى ابتساماتهم الصامتة تبدو فظيعة!
كل ذلك عرفته.. بعدما أحبت.. لا كمُراهقة اسكرتها مسلسلات الأتراك والهنود الخارقين، وليس لأنها احتاجت أن تُحب. أحبت لأنها لم تستطع سوى أن تُحب!
أحبت شاباً ممتلئاً رجولة وفيه شيء لم تقدر على فهمه.. شيءٌ كان يجعلها فاقدةً للتركيز وتظهر بشكل تعلم هي بأنه مُضحكٌ جدا.
ولأنها ما "يزبط"  أن تُبادر هي وتخطو الخطوة الأولى نحو "عشيقها المُحتمل".. بقيت تنتظر أن ينتبه لها، وأن يُبادر هو كما يجب عليه، وما عليها هي سوى مُحاولات جاهدة للفت إنتباهه..
ولمُجرد أن تراه يُلاطف هذه أو تلك، تشعر بغضب شديد..وكره لا يُغالب يتحول لرغبة أشد في ذلك "المُمتنع".. البعيد..
في هذا اليوم، والساعة حوالي الثانية ظهرا الّا.. كانت وهو يقفان وراء طاولة تحول بينهما وبين مجموعة مُنتفعين من أُعطيات ومنح إحدى المُنظمات..
أغضبها، هذا الإحساس بالخفة والبلاهه، كلما رأته قريبٌ منها.. 
فكيف وإن كلّمها بـ "صباح الخير" مثلاً ؟ يغدو وجهها متلوناً، وتتكلم كمن أُمسك مُتلبساً في دناءةٍ ما..
هو يُسجل ويقوم بما يجب القيام به.. وصاحبتنا غدت  كفزاعةِ طير، لونها يَشي بأنها في ورطةٍ ما.. فقد إنساح بريق عينيها، وغاب رونق وجهها الفاتن.. هي الآن أشبه بزومبي.. بمن يقف فوق منصة إعدام ينتظر تنفيذ الحكم !
مع مرور الدقائق، أصبح وضعها "مش مزبوط" لمن تعمل لديهم، فهي تحمل تاريخاً حافلا بالعِناد والتمرد على السيدة رانيا ام رامي رئيسة الجمعية..
وكانت في أثناء شرودها ذاك، تحت مُراقبة حثيثة من إحدى العاملات معها.. تلك التي رافقت صاحبتنا ذهبت بسرعةٍ نحو الإدارة حيث السيدة رانيا، وبحديث لم يتجاوز خمسة دقائق، تَقرر طرد أو الاستغناء عن خدمات رنا الساذجة.. البليدة.. لأنها تجاوزت الحدّ في.. 
تم استدعاء رنا واُخبرت بالقرار النهائي، لم تكن تتوقع شيء من هذا القبيل، بل كانت تأمل بمُضاعفة أجرها كونها تعمل لساعات طويلة..
سمعت "بهدلتها" وبأنها لم تكن عند حسن الظن، وكانت تفكر بأنها ستعود لتلك الحالة من الفراغ.. لتغدو حياتها يومٌ واحد فقط، وفي دخيلتها تعلم بأنها اخطئت حتما عن قصد أو بدون عندما "كانت تسأل كثيرا.. وتبحث عن إجابات لا تعنيها!" وهي تبكي أمام أعين السيدات.. احسّت بأنها فقط.. فقط أحبت ذلك الشاب! وعرفت عن تلكم السيدات الكثير.. مثلا بأنهن يستغللن أسماء المُحتاجين في السجلات لغايات الربح الخاص.. وفي هاتفها صورٌ لكل شيء.. وفكرت بأنها غبيّة.. وعليها قبل كل شيء أن ترمي هاتفها في أقرب سلة مهملات..
لم تنطق بحرف، خرجت من باب الإدارة مُسرعةً وهي تشهق وتمسح دموعها بكمها.. وتُلاحقها شتائم وتوبيخات، كـ "حماره.. هبلا.. غبيّة.."، رآها الشاب واستعلم عن الأمر وأُجيب:"بأنها.. هالـ***** تتجسس لصالح جمعيات تُنافس جمعية ام الرمان"، هزّ الشاب رأسه بأسف بعدما قطّب حاجبيه.. وراح يُناول أحد الكبار بالسن كيسا فيه جاكيتا وجوزين من الجرابات القُطنية.
هاشم عبدالله 2017/10/28